من طرابلس إلى الرباط، كيف دخلت المسيّرات التركية سماء شمال أفريقيا

من طرابلس إلى الرباط، كيف دخلت المسيّرات التركية سماء شمال أفريقيا

لم تدخل الطائرات المسيّرة التركية شمال أفريقيا من باب واحد. في ليبيا جاءت مع حرب مفتوحة حول طرابلس، وفي المغرب جاءت عبر عقود شراء ثم مشروع تصنيع، وفي تونس والجزائر عبر طراز آخر وشركة أخرى. الخيط الذي يجمع هذه الحالات واحد: أنقرة تبيع لمن يطلب، وتحوّل كل صفقة إلى علاقة صناعية وسياسية أطول من الصفقة نفسها.

تحاول هذه المادة أن ترتّب ما هو موثّق من هذا المسار، وأن تفصل بينه وبين ما يُنقل عن مصادر مفتوحة من دون تأكيد رسمي. وحيثما لم تعلن الحكومات أرقامها، نصف الرقم بأنه «بحسب ما نُقل».

كيف بدأت القصة في ليبيا؟

في ديسمبر 2019 أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أن بلاده ستزيد دعمها العسكري لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس. وفي ربيع 2020 ظهرت طائرة «بيرقدار TB2» في سماء الغرب الليبي بكثافة، وارتبط اسمها بتراجع هجوم قوات خليفة حفتر على العاصمة وبضرب منظومات دفاع جوي من طراز «بانتسير» قيل إنها وصلت إلى معسكر حفتر من الإمارات، بحسب تقارير صحفية وتحليلات عسكرية آنذاك.

بحسب ما نقلته تقارير مفتوحة المصدر، كانت الحرب الجوية في ليبيا من أكثف حروب المسيّرات في العالم حتى ذلك الحين، وسقطت فيها مسيّرات من الطرفين، منها طائرات «وينغ لونغ» التي ارتبطت بالإمارات. وتبقى أرقام الخسائر والغارات المتداولة تقديرية، لأن أياً من الأطراف لم ينشر حصيلة موثّقة.

الأهم من الأرقام أن ليبيا كانت أول ميدان قتال واسع عرّف المشترين العرب والأفارقة بما تقدمه المسيّرة التركية: منصة رخيصة نسبياً، تُسلَّم سريعاً، ويمكن ربطها بحزمة تدريب ودعم. وقد بحثنا هذه المعادلة في تحليل سابق عن أسباب إقبال الدول العربية على السلاح التركي.

هل ما زالت أنقرة منحازة إلى طرابلس وحدها؟

لا، وهذا ما تغيّر في العامين الأخيرين. في أبريل 2025 استقبلت أنقرة الفريق أول صدام حفتر، قائد القوات البرية في الجيش الوطني الليبي، في زيارة وُصفت بأنها نادرة بين الجيش التركي وقوات كانت على الجبهة المقابلة. ونقلت تقارير أن الجانبين بحثا شراء معدات عسكرية تركية، بينها طائرات مسيّرة، وتدريب أعداد من العسكريين الشرقيين.

وفي يوليو 2025 زار صدام حفتر معرض «آيدف» في إسطنبول والتقى وزير الدفاع التركي يشار غولر. وفي أغسطس من العام نفسه زارت الكورفيت «كناليادا» طرابلس ثم بنغازي في جولة واحدة، وهي المرة الأولى التي تزور فيها سفينة حربية تركية مركزَي القوة المتنافسين في رحلة واحدة، بحسب «ديفنس نيوز».

وفي يوليو 2026 تناولت «الجزيرة» تعزيز العلاقات العسكرية بين أنقرة والشرق الليبي، وأشارت إلى اتفاقات تخص تطوير منشآت عسكرية وأنظمة مراقبة متقدمة وبرامج تدريب في تركيا. ونقلت عن مصدر مصري أن تركيا لا تتحرك في ليبيا دون تنسيق مع القاهرة، وهو تصريح يبقى منسوباً لمصدر مجهول ولا يمكن التحقق منه.

ولا ينفصل هذا كله عن مذكرة الحدود البحرية التي وقّعتها أنقرة مع طرابلس عام 2019. ويشير تقرير «ديفنس نيوز» إلى أن برلمان بنغازي قد يصادق عليها، ما يمنح التعاون إطاراً مؤسسياً يتجاوز الانقسام بين الشرق والغرب. أي أن المسيّرات في ليبيا جزء من ملف أوسع، يشمل الطاقة والبحر والتدريب.

الخلاصة العملية: لم تعد ليبيا بالنسبة لتركيا ساحة تدخل لصالح طرف، بل سوقاً وموطئ نفوذ مفتوحاً على الطرفين. أما حجم أي صفقة مسيّرات مع الشرق الليبي فلم يُعلن رسمياً، وما يُتداول عنه يبقى في إطار المحادثات.

ماذا اشترى المغرب ولماذا يبدو الأهم؟

المغرب هو الحالة الأكثر اكتمالاً في المنطقة. بدأ تسلّم طائرات «بيرقدار TB2» في 2021، وبدأ تشغيلها في قاعدة بن جرير في سبتمبر من تلك السنة. ويُعتقد، بحسب تقرير نقلته «هسبريس» عن مجلة «ديفنسا» الإسبانية، أن العدد تجاوز عشرين طائرة بعد طلبيات إضافية فوق الدفعة الأولى المكوّنة من 13 طائرة. وقد نُقل في وقت سابق أن قيمة صفقة الـ13 طائرة نحو 70 مليون دولار، وهو رقم غير رسمي.

الخطوة الأحدث هي «أكينجي». نقلت «هسبريس» عن «ديفنسا» أن هذه الطائرات سُلّمت في مطلع 2025 وتعمل إلى جانب أسطول TB2 انطلاقاً من القاعدة الجوية السادسة في بن جرير، استناداً إلى صور أقمار صناعية. و«أكينجي» طائرة ثقيلة قادرة على البقاء في الجو نحو 24 ساعة والتحليق فوق 12 ألف متر وحمل حمولة تصل إلى طن ونصف. وتجد في ملف الطائرة الهجومية «بيرقدار أكينجي» تفاصيل تشغيلها، وفي المقارنة بين أكينجي وTB2 متى تكفي الطائرة الخفيفة ومتى تلزم الثقيلة.

ماذا يعني مصنع بنسليمان؟

أبرز ما يميّز الحالة المغربية أنها لا تقف عند الشراء. وفق ما نقلته صحيفة «بلادي» في مارس 2026، تقرر إنشاء وحدة صناعية في إقليم بنسليمان قرب الدار البيضاء، يُنتظر أن تتركز على «أكينجي» وأن تشمل التصميم والتصنيع والصيانة وتوطين المكونات الإلكترونية وقطع الغيار. وأضافت الصحيفة أن شركة تابعة باسم «أطلس ديفنس» أُسست في الرباط برأسمال 2.5 مليون درهم، ويملكها مناصفة الأخوان هالوق وسلجوق بيرقدار، وأن اتفاقاً وُقّع في ديسمبر 2024 يضع المغرب في موقع «من مستورد إلى مصنّع».

هذه معلومات صحفية، ولم نعثر على إعلان تفصيلي من الجانبين بشأن الجدول الزمني أو حجم الاستثمار. لكن إن مضى المشروع كما نُقل، فسيدخل المغرب قائمة الدول التي تبحث «بايكار» معها عن إنتاج محلي خارج تركيا، وهو مسار تتتبعه مادتنا عن انتقال بايكار من مورّد قطع إلى أكبر مصدّر للمسيّرات.

وماذا عن تونس والجزائر ومصر؟

هنا تدخل شركة أخرى. الطائرة «أنكا» من إنتاج «الصناعات الجوية والفضائية التركية» (توساش)، لا من «بايكار».

في تونس، وُقّع عقد لشراء ثلاث طائرات «أنكا إس» مع ثلاث محطات تحكم أرضية وتدريب 52 فرداً من سلاح الجو، بقيمة نحو 80 مليون دولار، بحسب تقارير نُشرت عام 2021 تحدثت أيضاً عن تمويل عبر بنك «إكسيم» التركي. وذكرت تقارير لاحقة، منها ما نشره موقع «أوفرت ديفنس» في يونيو 2023، أن تونس تسلّمت طائرتين إضافيتين، فبلغ عدد ما وصل خمس طائرات بحسب تلك التقارير.

أما الجزائر، فنقلت «ميدل إيست آي» في أكتوبر 2022 عن مصدرين مطلعين أنها اختارت «أنكا إس»، بحدود عشر طائرات، على حساب «TB2». وتحدثت تقارير أخرى عن طلب «أقسنقر» أيضاً، وهي معلومات لم تؤكدها الجهتان رسمياً. اللافت أن الجزائر والمغرب، الخصمين الإقليميين، يشتريان من الصناعة التركية نفسها. وقد ربطت الجزائر في نوفمبر 2021 بين مقتل ثلاثة جزائريين قرب بير لحلو وبين ضربة مسيّرة نسبتها إلى المغرب، ورجّحت بحسب ما نُقل أن تكون من طراز TB2، وهو اتهام لم يُحسم علناً.

وفي مصر ينتقل التعاون من التدريبات إلى خطوط الإنتاج، كما نوضح في تحليلنا عن التعاون الدفاعي التركي المصري.

خريطة سريعة لما هو معلن ومنقول

البلد المنصة الوضع بحسب المصادر
ليبيا (الغرب) بيرقدار TB2 استُخدمت في 2020 لدعم حكومة الوفاق، وفق تقارير مفتوحة
ليبيا (الشرق) غير محدد محادثات شراء وتدريب، من دون عقد معلن
المغرب TB2 وأكينجي تسلّم منذ 2021 وتسلّم أكينجي في 2025، ومصنع مخطط في بنسليمان
تونس أنكا إس عقد 2021 بنحو 80 مليون دولار، وتسلّم إضافي في 2023، بحسب تقارير
الجزائر أنكا إس (وأقسنقر بحسب تقارير) اختيار نُقل عن مصادر في 2022، من دون تأكيد رسمي

لماذا تنجح تركيا في البيع للأطراف المتخاصمة؟

السبب الأول تجاري: بحسب أرقام «بايكار» التي نقلتها «بلادي» عن «فوربس» في أغسطس 2026، بلغت صادراتها 1.8 مليار دولار في 2024، وهي نحو 90 في المئة من إيراداتها. شركة بهذا الاعتماد على الخارج لا تختار زبائنها حسب خطوط الصراع.

السبب الثاني سياسي: أنقرة لا تشترط عادةً تحالفاً مقابل البيع، وتقدّم حزمة مرنة من التمويل والتدريب. وفي المقابل، يرى محللون أن أي وجود عسكري تركي دائم قرب الحدود المصرية أو الجزائرية قد يتجاوز خطاً أحمر، بحسب ما نقلته «الجزيرة» عن أحد الخبراء.

ويضاف إلى ذلك أن الدول المشترية في المنطقة تواجه قيوداً على مصادر التسلح التقليدية، سواء في الشروط السياسية أو في المهل الطويلة، فتجد في العرض التركي بديلاً أسرع. وهذا تفسير شائع في التحليلات لا بيان رسمي من أي حكومة.

السبب الثالث أن المسيّرة سلاح يُشترى بميزانيات متوسطة. وللمقارنة بين الأثمان التقديرية والأرقام الفعلية للصفقات، راجع مادتنا عن سعر بيرقدار TB2.

ما يستحق المتابعة في الأشهر المقبلة ثلاثة أمور: هل يخرج مصنع بنسليمان إلى مرحلة التشغيل الفعلية، وهل تتحول محادثات الشرق الليبي إلى عقد معلن، وهل تتسع حصة «أنكا» في الجزائر وتونس. وإلى أن تصدر بيانات رسمية، تبقى كثير من التفاصيل في خانة «المنقول لا المؤكد».

Defense Türkiye Newsroom جميع المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة