الصناعة قبل السياسة، كيف بنت أنقرة وإسلام آباد تعاوناً دفاعياً من الكورفيتات إلى قآن
حين وقّعت أنقرة وإسلام آباد والرياض اتفاق الدفاع المشترك في مكة المكرمة في السابع من أغسطس 2026، بدا للمراقبين أن شيئاً جديداً بدأ. غير أن الخيوط التي تربط تركيا بباكستان في ميدان السلاح أقدم من أي بيان سياسي. ففي أحواض بناء السفن وورش صيانة الغواصات وخطوط تجميع الطائرات التدريبية، تراكمت عقود وتجارب على مدى عقد تقريباً، ثم جاء الإطار السياسي لاحقاً ليمنح هذا التراكم عنواناً.
يتتبع هذا التقرير ما أُنجز فعلاً في التعاون الدفاعي التركي الباكستاني، وما ظل في طور الحديث، وأين تقف حدود العلاقة.
ما الذي تغيّر بعد اتفاق مكة؟
وفق ما نقلته وسائل إعلام دولية، وقّع الاتفاق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ونص على أن أي هجوم مسلح على أحد الأطراف يُعدّ هجوماً على الجميع. وقال مسؤولون أتراك وسعوديون إن الاتفاق دفاعي بطبيعته وليس موجهاً ضد دولة بعينها، وإن باب الانضمام إليه مفتوح، بحسب ما أعلنته الخارجية الباكستانية.
الجديد هنا هو الإطار المؤسسي، لا الصناعة نفسها. فلم تُعلن حتى الآن عقود إنتاج جديدة مرتبطة بالاتفاق، وما زالت المشاريع الكبرى بين البلدين تسير على مساراتها الثنائية السابقة. وقد تناول موقعنا الجانب المؤسسي للتحالف في تغطية مستقلة، أما هنا فالسؤال أضيق: ما الذي بُني على الأرض؟
كيف وصلت كورفيتات بابور إلى البحرية الباكستانية؟
أبرز مشروع في هذه العلاقة هو برنامج كورفيتات «ميلغيم» الباكستانية. فقد وقّعت باكستان في يوليو 2018 عقداً مع شركة «أسفات» التابعة لوزارة الدفاع التركية لشراء أربع كورفيتات متعددة المهام. وتتوزع الأعمال بالتساوي، إذ تُبنى سفينتان في حوض إسطنبول البحري وسفينتان في حوض كراتشي، وفق ما نشرته «نافال نيوز».
سُلمت السفينة الأولى «بي إن إس بابور» في 23 سبتمبر 2023 في إسطنبول. ويبلغ طولها نحو 108 أمتار وإزاحتها نحو 2926 طناً وسرعتها القصوى 31 عقدة، بحسب المصدر نفسه. وأشار التقرير إلى أن تسليحها لم يُكشف بالكامل، وأن المتوقع أن يشمل منظومة «ألباتروس إن جي» من «إم بي دي إيه» وصواريخ «حربة» المضادة للسفن والمخصصة للهجوم الأرضي.
وفي 21 ديسمبر 2025 سُلمت السفينة الثانية «بي إن إس خيبر» في الحوض البحري بإسطنبول، بحضور الرئيس أردوغان وقائد البحرية الباكستانية الأدميرال نافيد أشرف، وفق «عرب نيوز باكستان». أما السفينتان المبنيتان في كراتشي فما زالتا في مرحلة البناء بحسب ما أوردته مصادر متابعة.
القيمة الحقيقية في هذا العقد ليست عدد الهياكل. فهو يمنح كراتشي معرفة بناء سفينة حربية حديثة بتصميم تركي، وهي المعرفة التي بنت عليها لاحقاً مشاريع أكبر. وسبق أن استعرضنا هذا المسار في الشراكة الدفاعية بين تركيا وقطر، حيث تتكرر فكرة نقل خط الإنتاج لا بيع المنتج الجاهز.
| البند | التفصيل |
|---|---|
| المشروع | برنامج كورفيتات ميلغيم الباكستانية (فئة بابور) |
| المتعاقد التركي | أسفات (شركة تابعة لوزارة الدفاع التركية) |
| العدد | أربع كورفيتات، اثنتان في إسطنبول واثنتان في كراتشي |
| تاريخ العقد | يوليو 2018 |
| تسليم السفينة الأولى | 23 سبتمبر 2023 (بابور) |
| تسليم السفينة الثانية | 21 ديسمبر 2025 (خيبر)، بحسب عرب نيوز باكستان |
ماذا فعلت تركيا للغواصات وناقلة الوقود الباكستانية؟
قبل الكورفيتات بسنوات، دخلت شركة «إس تي إم» التركية ميدان البحرية الباكستانية من بوابة مختلفة. فقد شاركت مع حوض كراتشي في بناء ناقلة الأسطول «بي إن إس معاون»، وهي سفينة إمداد بوزن يقارب 15 ألف طن وطول يقارب 155 متراً، دخلت الخدمة في أكتوبر 2018. ويصفها موقع «ديفنس تركي» بأنها أكبر مشروع تركي لبناء سفينة عسكرية في الخارج.
وتولت «إس تي إم» أيضاً تحديث غواصات «أغوستا 90 بي» الباكستانية، باختيار حزمة إلكترونيات جديدة وتنفيذ الأعمال في حوض كراتشي. وتشير تقارير إلى أن قيمة البرنامج تقارب 350 مليون دولار، وأن الغواصتين «حمزة» و«خالد» سُلمتا بعد التحديث في 2021 و2022، وهي أرقام لم نتمكن من تأكيدها من مصدر رسمي. وتضمن التحديث، بحسب التقارير، سارية بصرية ورادار نبضي دوبلر ومنظومة مقاييس دعم إلكتروني ومنظومة سونار متكاملة.
ووقّعت الشركة في 2021 عقد دعم لوجستي يشمل قطع الغيار والصيانة في الموقع والتدريب للناقلة والغواصات المحدّثة. وهذا النوع من العقود الطويلة هو ما يحوّل الصفقة الواحدة إلى علاقة دائمة.
هل تسير الصناعة في اتجاه واحد؟
ليست العلاقة تصديراً تركياً بحتاً. ففي نوفمبر 2016 وقّع الطرفان في كراتشي اتفاقاً يقضي بأن يوفر مجمع الطيران الباكستاني في كامرا 52 طائرة تدريب أساسي من طراز «سوبر مشاك» للقوات الجوية التركية بقيمة تقارب 50 مليون دولار، وفق ما نشرته مواقع متخصصة، وأُغلق برنامج التسليم في ديسمبر 2025 بحسب التقارير. وهي حالة نادرة تشتري فيها أنقرة منظومة كاملة من شريك في جنوب آسيا.
ولم تكن كل المحاولات ناجحة. فقد تعثر طلب باكستان شراء 30 مروحية هجومية تركية من طراز «تي 129» بسبب رخصة تصدير أمريكية لم تصدر للمحرك الأنجلو أمريكي، بحسب ما أوردته تغطيتنا السابقة لهذا الملف. والدرس أن اعتماد المنصة التركية على مكونات أجنبية يبقي سقف التعاون رهناً بقرارات عواصم أخرى.
أين تقف باكستان من مقاتلة قآن؟
الحديث عن مشاركة باكستان في مقاتلة «قآن» من الجيل الخامس قديم نسبياً. ففي أغسطس 2023 أعلن نائب وزير الدفاع التركي جلال سامي توفكجي في كراتشي أن البلدين سيبدآن محادثات لضم باكستان رسمياً إلى البرنامج، وقال تقرير لـ«جينز» إن نحو 200 مسؤول ومهندس باكستاني كانوا يشاركون فعلاً في أعمال التطوير. وكان مسؤولون أتراك قد وصفوا باكستان في 2022 بأنها شريك في المشروع.
لكن الانضمام الرسمي لم يُعلن بصيغة موثقة في ما اطلعنا عليه من مصادر، ولا تتوافر أرقام مؤكدة عن حصة باكستان أو دورها الصناعي. ويبقى المؤكد أن البلدين يريدان استبدال أسطول «إف-16» بمقاتلة حديثة. وعن وضع البرنامج وطلبياته يمكن مراجعة تقرير مقاتلة قآن وعقدي إندونيسيا وملف توساش وصناعة الطائرة الوطنية.
ما موقع باكستان بين شركاء تركيا الدفاعيين؟
تقارن العلاقة مع باكستان عادة بشراكات أنقرة العربية. فمع مصر انتقل التعاون من المناورات إلى خطوط الإنتاج، كما رصدنا في التعاون الدفاعي التركي المصري. أما باكستان فهي الأعمق صناعياً بين الشركاء الآسيويين، لأن الاتفاقات فيها شملت نقل معرفة الإنشاء والتحديث وليس التوريد وحده.
وعلى الجانب البحري، يبقى تصميم الكورفيت التركي هو الجسر الأوضح. فسفن فئة بابور مشتقة من عائلة «ميلغيم»، التي بنت منها تركيا قدرات سفن إنزال وحاملات مسيّرات مثل سفينة الهجوم البرمائي TCG ANADOLU.
لماذا تحتاج كل عاصمة إلى الأخرى؟
من زاوية إسلام آباد، تقدم أنقرة شريكاً لا يشترط عادة قيوداً سياسية كالتي تحيط بالمشتريات الغربية، ويقبل أن يُبنى جزء من السفن في أحواض محلية. وهذا يلائم بحرية تسعى إلى تحديث أسطولها بميزانية محدودة وتريد في الوقت نفسه كسب خبرة صناعية في كراتشي.
ومن زاوية أنقرة، تمنح باكستان سوقاً مستقرة لمنتجات ما زالت تبحث عن مرجعيات تصديرية، وتمنحها مختبراً عملياً لنموذج «التصنيع المشترك» الذي تروّج له في الخليج وأفريقيا وجنوب شرق آسيا. وقد ساعدت كورفيتات بابور في ترسيخ صورة تصميم «ميلغيم» كمنتج قابل للتصدير والتوطين، وهو ما ناقشناه في مقارنات سابقة مع المنافسين الأوروبيين.
والبعد السياسي حاضر دائماً. فبحسب «عرب نيوز باكستان»، جاء تسليم السفينة الثانية بعد إدانة أنقرة العلنية للضربات الهندية عبر الحدود على الأراضي الباكستانية في 2025، وناقش أردوغان والأدميرال أشرف الأمن البحري ومبادرات بحرية مشتركة مقبلة. كما أوردت الصحيفة نفسها عودة السفينة بابور من مناورات مشتركة مع السعودية وتركيا، ما يعني أن التدريب المشترك بات يسبق الإطار الرسمي للتحالف.
ويبقى الفارق بين الطرفين واضحاً في الحجم. فالصناعة التركية أوسع بكثير وتتصدر الأسواق بمسيّراتها وصواريخها، بينما تقدم باكستان قدرات محددة مثل الطائرات التدريبية وخبرة تشغيلية وعمقاً جغرافياً في جنوب آسيا. ولهذا يصعب الحديث عن شراكة متكافئة، لكن يصح الحديث عن مصالح متقاطعة تتبادل الطرفان فيها ما ينقص كلاً منهما.
ما الذي ينتظره البلدان بعد الاتفاق؟
ثلاثة ملفات تستحق المتابعة في الأشهر المقبلة. الأول تسليم السفينتين المبنيتين في كراتشي ومدى التزامهما بالجدول. الثاني ما إذا كان الإطار الثلاثي سيُترجم إلى عقد إنتاج مشترك معلن. والثالث الوضع الرسمي لباكستان في برنامج قآن. ما عدا ذلك، تظل أي أرقام عن صفقات قادمة تقديرات إعلامية لا أكثر.
وفي المحصلة، يوضح مسار السنوات الماضية أن الصناعة سبقت السياسة في هذه العلاقة، لا العكس. فالسفن والغواصات والطائرات التدريبية كانت قد غيّرت واقع التعاون قبل أن يُوقّع أي اتفاق ثلاثي، وسيُقاس نجاح الإطار الجديد بقدرته على تحويل هذه الخبرات إلى عقود إنتاج مشترك معلنة وتواريخ تسليم يمكن التحقق منها.