التعاون الدفاعي التركي المصري ينتقل من المناورات إلى خطوط الإنتاج

التعاون الدفاعي التركي المصري ينتقل من المناورات إلى خطوط الإنتاج

قبل ثلاث سنوات لم يكن في الحسبان أن يعلن مدير عام شركة تركية حكومية للذخائر تأسيس فرع مملوك بالكامل لها في القاهرة. حدث ذلك في سبتمبر 2026 على هامش معرض العلمين الدولي للطيران، وجاء بعد أشهر من حزمة دفاعية قُدّرت بمئات الملايين من الدولارات، في علاقة كانت شبه مجمدة منذ عام 2013. القصة الآن أبعد من تبادل الزيارات والمناورات، فقد دخلت مرحلة المصانع والعقود.

يجمع هذا المقال ما أُعلن رسمياً حتى مطلع أكتوبر 2026، ويفصل بينه وبين ما نُقل عن تقارير صحفية ولم يؤكده الطرفان.

كيف عادت قنوات التعاون العسكري بين أنقرة والقاهرة؟

تدهورت العلاقات بعد 2013، وتوقفت المناورات المشتركة التي كانت تُجرى بانتظام حتى عام 2012. بدأ الانفراج تدريجياً بمحادثات المصالحة عام 2021، ثم عودة السفراء عام 2023، وزيارات رئاسية متبادلة في 2024.

على الجانب العسكري، أجرت القوات البحرية للبلدين في 22 إلى 26 سبتمبر 2025 تدريب “بحر الصداقة”، وهو الأول منذ نحو 13 عاماً، وشاركت فيه فرقاطات وزوارق هجومية وغواصة تركية. وفي يوليو 2026 نُفذ تدريب “النسر الذهبي” للقوات الخاصة على أراضٍ مصرية.

وفي 13 يوليو 2026 وقّع وزير الدفاع التركي يشار غولر ونظيره المصري، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي أشرف سالم زاهر، في أنقرة خطاب نوايا للتعاون الدفاعي، إلى جانب خطاب نوايا آخر بين رئاسة الصناعات الدفاعية التركية وجهة مصرية معنية بالاستخبارات العسكرية، بحسب ما نقلته وسائل إعلام تركية ودولية.

التاريخ الحدث
سبتمبر 2025 تدريب بحري مشترك هو الأول منذ نحو 13 عاماً
ديسمبر 2025 الكشف عن Hamza-1 في معرض إيديكس بالقاهرة
فبراير 2026 زيارة أردوغان إلى القاهرة وحزمة دفاعية تُقدَّر بنحو 350 مليون دولار
13 يوليو 2026 خطاب نوايا للتعاون الدفاعي بين وزيري الدفاع في أنقرة
مطلع سبتمبر 2026 مذكرة تفاهم بين MKE ومصنعين مصريين في ساراييفو
8 إلى 10 سبتمبر 2026 معرض العلمين: إعلان شركة Zafer واتفاق بيع Hamza-1

ماذا تضمنت حزمة الـ350 مليون دولار؟

زار الرئيس رجب طيب أردوغان القاهرة في مطلع فبراير 2026 والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، ووُقّعت على هامش الزيارة اتفاقات في مجالات عدة بينها إطار للتعاون العسكري. وتحدثت تقارير عن حزمة دفاعية بنحو 350 مليون دولار بين شركة MKE التركية ووزارة الدفاع المصرية.

وبحسب هذه التقارير، تتوزع القيمة على شقين:

  • نحو 130 مليون دولار لتصدير منظومة الدفاع الجوي قصيرة المدى TOLGA المخصصة لمواجهة الطائرات المسيّرة والأهداف المنخفضة.
  • نحو 220 مليون دولار لإنشاء مصنع لذخائر المدفعية عيار 155 ملم، وخطوط إنتاج لذخائر 7.62 و12.7 ملم، عبر شركة مشتركة تديرها الأطراف المعنية.

الشق الثاني هو الأهم سياسياً. فالقاهرة لا تبحث عن منظومة جاهزة فقط، بل تريد توطين صناعة الذخيرة، وقد قال مدير عام MKE إلهامي كيليش إن الدول كلها تسعى اليوم إلى هذا النوع من الإنتاج داخل أراضيها. وتتسق الفكرة مع نهج تركي معروف في التصدير يقوم على نقل التقنية والإنتاج المشترك بدل البيع المباشر وحده، وهو ما تناولناه في تقريرنا عن المصانع التركية في الخارج.

لماذا أسست MKE شركة Zafer في القاهرة؟

أعلن كيليش خلال معرض العلمين أن MKE أسست شركة باسم Zafer، أي “النصر” بالتركية، تخضع للقانون المصري وتعود ملكية أسهمها كاملة إلى MKE. وتُعد أول شركة تابعة مملوكة بالكامل للمؤسسة في القارة الأفريقية، بحسب ما نُقل عن الإعلان.

ووفق التصريحات، ستتولى الشركة إدارة النشاط التجاري لـMKE في مصر، وتكون الإطار الذي تعمل من خلاله مصانع الإنتاج المشترك مع الشركاء المحليين. وذكر كيليش أيضاً أن المؤسسة تبحث مشاريع مماثلة في كندا والولايات المتحدة وماليزيا وإندونيسيا، وأن القاهرة قد تصبح منصة لخدمة أسواق أفريقية وخليجية أخرى.

سبق ذلك بأسابيع توقيع MKE مذكرة تفاهم في ساراييفو، خلال معرض “درع البلقان”، مع شركتين تابعتين لوزارة الإنتاج الحربي المصرية هما شركة هليوبوليس للصناعات الكيماوية (المصنع 81) وشركة حلوان للصناعات الهندسية (المصنع 99). وتتركز المذكرة على الخبرات التقنية والاستفادة من الطاقات التصنيعية القائمة، خصوصاً في المواد المتفجرة. ولم يُعلن أي مبلغ أو جدول تسليم. وتجد تفاصيلها في تغطيتنا لمذكرة التفاهم، كما نشرنا خبر تأسيس Zafer عند صدوره.

ما قصة الطائرة Hamza-1؟

في العلمين أيضاً وقّعت شركة HAVELSAN التركية والهيئة العربية للتصنيع المصرية اتفاق بيع للطائرة المسيّرة Hamza-1 في 10 سبتمبر. لم تُعلن الأسعار ولا عدد الطائرات ولا مواعيد التسليم، وأُشير فقط إلى أن التسليمات ستبدأ في الفترة المقبلة.

الطائرة عمودية الإقلاع والهبوط وثابتة الجناح، وتنتمي إلى عائلة المسيّرات التي طورتها HAVELSAN، ويُنظر إليها على أنها نسخة من المنصة المعروفة باسم BOZBEY مُعدّة للتصنيع المحلي في مصر. وتتحدث مصادر عن وزن إقلاع أقصى يبلغ نحو 40 كغ وتحمّل يقارب ست ساعات، لكن الأرقام المنشورة عن حمولتها متباينة، لذلك نتجنب اعتماد رقم واحد.

هذه الفئة من الطائرات خفيفة ومنخفضة الكلفة نسبياً، وتُستخدم عادة في المراقبة والاستطلاع القريب بمستشعرات كهروبصرية، ولا تحتاج إلى مدرج. وهذا يجعلها مناسبة لمهام الحدود والمنشآت، ويسهّل تصنيعها محلياً لأنها لا تتطلب سلسلة توريد معقدة مثل الطائرات الأكبر. ولا يعني ذلك أن الصفقة تغيّر ميزان القوة الجوية، لكنها تمنح الطرفين تجربة عملية في الإنتاج المشترك يمكن البناء عليها.

المسار نفسه موثق بالتواريخ: اتفاق تعاون استراتيجي في نهاية أغسطس 2025 للإنتاج المشترك داخل مصر، ثم الكشف عن أول منظومة في معرض إيديكس في ديسمبر 2025، ثم اتفاق البيع في سبتمبر 2026. أي أن العلاقة انتقلت في أقل من سنة من التصنيع المشترك إلى العقد التجاري. ويمكن الرجوع إلى خبر الصفقة وملف HAVELSAN لمعرفة خلفية الشركة.

من هم الشركاء المصريون؟

تعمل تركيا هنا مع منظومة الإنتاج الحربي المصرية لا مع شركات خاصة. الهيئة العربية للتصنيع، التي أُنشئت في سبعينيات القرن الماضي وتتبع الدولة المصرية، تدير مصانع لصناعات متنوعة، ومن بينها مصنع قادر للصناعات المتطورة الذي استضاف التعاون مع HAVELSAN. أما مصنعا هليوبوليس وحلوان فيتبعان وزارة الإنتاج الحربي مباشرة.

هذا يفسر شكل الاتفاقات. الطرف المصري يريد خطوطاً تعمل داخل مصانعه القائمة، ويريد أن تبقى المعرفة التقنية في مصر. والطرف التركي يريد موطئ قدم في سوق كبير يصعب اختراقه بالبيع المباشر، وقاعدة يصدّر منها إلى أسواق أخرى. وهكذا تتقاطع المصلحتان عند الإنتاج المشترك، وإن ظل توزيع الحصص والملكية الفكرية بين الطرفين غير معلن.

وتبرز الذخيرة بوصفها النقطة الأكثر حساسية. فمخزونات القذائف عيار 155 ملم أصبحت في السنوات الأخيرة موضع اهتمام عواصم كثيرة، ومن يملك خط إنتاج محلياً يتحرر جزئياً من تقلبات الإمداد. ولهذا يبدو خط الذخيرة في مصر أثقل وزناً من صفقة منظومة واحدة، مهما كانت قيمتها.

أين يقف السلاح التركي بين مورّدي مصر؟

اعتمد الجيش المصري لعقود على مورّدين أميركيين وفرنسيين وروس وصينيين، ولم يكن للصناعة التركية حضور يُذكر حتى وقت قريب. لذلك لا تُقاس الصفقات الحالية بحجمها، فهي صغيرة قياساً بميزانية دفاعية من الأكبر في المنطقة، بل بما تفتحه من قنوات: منظومة دفاع جوي، وطائرة مسيّرة، وخط ذخيرة، وشركة مملوكة بالكامل على الأرض المصرية.

وقد شاركت أيضاً شركات تركية أخرى في معرض العلمين، إذ عرضت TUSAŞ نموذجاً لمقاتلة KAAN، وقدمت ASELSAN أنظمة رادار وحرب إلكترونية واتصالات وذخائر موجهة، كما عرضت MKE منظومة TOLGA. وتفصّل تغطية المعرض مشاركات الشركات الثلاث. وللاطلاع على صورة أوسع عن اهتمام العواصم العربية بالسلاح التركي، يمكن قراءة لماذا تتسابق الدول العربية على اقتناء السلاح التركي.

ما الذي لم يُحسم بعد؟

عدة نقاط ما زالت بلا تأكيد رسمي:

  • KAAN. تحدثت وسائل إعلام عربية في منتصف 2025 عن رغبة مصر في دور شريك في برنامج المقاتلة، لكن لم تصدر مذكرة تفاهم بهذا الشأن، ولم تؤكد أنقرة ذلك رسمياً. يجب التعامل مع أي جدول زمني للإنتاج المشترك على أنه تكهن إلى أن تعلن الصناعات الدفاعية التركية أو TUSAŞ خلاف ذلك.
  • قيمة الحزمة وتفاصيلها. رقم 350 مليون دولار وتوزيعه بين TOLGA والذخيرة يستند إلى تقارير وتصريحات، ولم تنشر الجهتان عقداً مفصلاً.
  • TOLGA. لم يُعلن عدد المنظومات ولا جدول التسليم.
  • مذكرة ساراييفو وHamza-1. كلتاهما بلا مبالغ معلنة.

الاختبار القادم عملي أكثر منه سياسياً: هل ستبدأ خطوط الإنتاج في الوقت المعلن، وهل ستُسلَّم أولى الدفعات؟ الإجابة ستحدد ما إذا كانت القاهرة ستنظر إلى أنقرة مورداً ثانوياً أم شريكاً صناعياً طويل الأمد.

Defense Türkiye Newsroom جميع المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة