توساش من تجميع مقاتلات إف-16 إلى صناعة طائرة الجيل الخامس

توساش من تجميع مقاتلات إف-16 إلى صناعة طائرة الجيل الخامس

في هضبة كهرمان قازان جنوب غرب العاصمة أنقرة، تقع الشركة التي تحمل اليوم أثقل ملفات الطيران في تركيا. شركة توساش، أو الصناعات الفضائية التركية (TUSAŞ)، لم تبدأ بوصفها مصمّم طائرات. بدأت مصنعاً يجمّع طائرات أجنبية بترخيص، ثم تعلّمت من هذا العمل ما يكفي لتبني طائراتها بنفسها. هذا المسار الطويل هو ما يفسّر موقعها الحالي، من مقاتلة قآن إلى طائرة التدريب هيركوش، ومن المسيّرة أنكا إلى مروحية غوكبي.

البند التفاصيل
الاسم الكامل الصناعات الفضائية التركية (Turkish Aerospace Industries) ويُختصر TUSAŞ أو TAI
المقر كهرمان قازان، أنقرة
التأسيس 1973
الملكية وقف القوات المسلحة التركية (نحو 54.5%) ورئاسة الصناعات الدفاعية (نحو 45.5%) وفق ما تورده المصادر المفتوحة
العاملون نحو 17 ألف موظف، بينهم نحو 7 آلاف مهندس (تقديرات حتى مطلع 2024)
أبرز المنتجات قآن، حرجت، هيركوش، أنكا، أقصنقور، مروحيتا T129 أتاك وT625 غوكبي
الموقع الرسمي tusas.com

كيف بدأت توساش ولماذا لم تبدأ بطائرة تركية؟

تأسست الشركة عام 1973 تحت مظلة وزارة الصناعة، وكان الهدف المعلن تقليص اعتماد تركيا على استيراد الطائرات وقطع الغيار. غير أن نقطة التحول الفعلية جاءت في ثمانينيات القرن الماضي، حين حصلت أنقرة على ترخيص لإنتاج مقاتلات إف-16 محلياً. من خطوط الإنتاج في أنقرة خرجت عشرات المقاتلات للقوات الجوية التركية، ثم أُنتجت دفعة لمصر في مطلع التسعينيات بحسب المراجع المتاحة.

لم يكن ذلك تصميماً وطنياً بالمعنى الدقيق، لكنه صنع شيئاً أهم في ذلك الوقت. فقد أنشأ قاعدة صناعية وهندسية: عمال مهرة، ومعدات تصنيع، وسلاسل توريد، وخبرة في معايير الجودة الغربية. هذه القاعدة هي التي استندت إليها الشركة لاحقاً حين قررت أن تنتقل من التصنيع بترخيص إلى التصميم.

وفي عام 2005 أُعيد هيكلة الشركة بعد انتقال حصص الشركاء الأجانب إلى مساهمين أتراك، فصارت مملوكة بالكامل تقريباً لمؤسسات الدولة. ومنذ ذلك الحين تتولى رئاسة الصناعات الدفاعية (SSB) توجيه برامجها الكبرى بوصفها مالكاً وزبوناً في آن واحد.

ماذا تصنع شركة توساش اليوم؟

تنظّم الشركة أعمالها في مجموعات رئيسية: الهياكل الجوية، والطائرات، والمروحيات، والأنظمة غير المأهولة، والأنظمة الفضائية، ومجموعة الطائرة المقاتلة الوطنية، إضافة إلى الهندسة. وتتوزع منتجاتها على أربع فئات.

  • الطائرات المقاتلة والتدريبية. قآن (مقاتلة الجيل الخامس)، وحرجت (تدريب نفاث متقدم)، وهيركوش (تدريب بمروحة).
  • المروحيات. T129 أتاك للهجوم، وT625 غوكبي متعددة المهام.
  • المسيّرات. عائلة أنكا، وأقصنقور ثنائية المحرك، وأنكا-3 الشبحية.
  • الفضاء والهياكل. أقمار غوكتورك للمراقبة، وأجزاء هيكلية لشركات الطيران المدني.

ولا يقتصر عملها على السوق العسكرية. فهي تصنع أجزاء هيكلية لطائرات إيرباص وبوينغ، وهو عمل أقل ظهوراً في الإعلام لكنه يمنحها دخلاً مستقراً ومعايير جودة يشترطها المشترون الدوليون. أما المحركات فتتولاها شركة تي إي آي (TEI) التابعة لمجموعتها، بالتعاون مع جنرال إلكتريك في بعض الفئات.

ما موقع مقاتلة قآن في مشروع توساش؟

قآن هي أكبر رهانات الشركة. حلّقت النموذج الأولي في فبراير 2024، وتُظهر المعلومات المنشورة أن الشركة تعمل على نماذج لاحقة بمخازن أسلحة داخلية وقدرة على التزوّد بالوقود جواً. وقد عالجنا تفاصيل الطائرة وعقودها في تقرير مخصص عن مقاتلة قآن، ونكتفي هنا بما يخص الشركة نفسها.

الحدث الأبرز تجاريا جاء في يوليو 2025 خلال معرض آيديف في إسطنبول، حين وُقّع عقد لتوريد 48 مقاتلة قآن إلى إندونيسيا. وتفيد التقارير بأن التسليم سيمتد نحو عشر سنوات، وبأن العقد يشمل إنشاء منشآت في إندونيسيا ونقل جزء من التقنية. لم تُعلن قيمة رسمية للعقد، وما يُتداول من أرقام في الصحافة التركية تقديرات لا أكثر.

العقبة التي تذكرها مصادر الصناعة كثيراً هي المحرك. فالنماذج الحالية تستخدم محركات أمريكية من طراز إف110، بينما يجري تطوير محرك وطني للطائرة، وهو برنامج تتقاطع فيه حسابات توساش مع حسابات التصدير، إذ إن أي مبيعات خارجية ترتبط بموافقات المورّد الأجنبي إلى أن يصبح المحرك المحلي جاهزاً.

ما الذي تقدمه حرجت وهيركوش في التدريب؟

حرجت طائرة تدريب نفاثة أسرع من الصوت، ويقول تقرير مفتوح المصدر إن أول طيران لها كان في أبريل 2023. تعمل بمحرك واحد من نوع جنرال إلكتريك إف404، وصُمّمت لتحل محل طائرات تي-38 في تدريب الطيارين، مع إمكانية استخدامها في مهام الدعم الجوي القريب. وقد ناقشنا موقعها في السوق في مقال عن سوق طائرات التدريب النفاثة المتقدمة.

التطور اللافت كان على جبهة التصدير الأوروبي. فبحسب التقارير، وقّعت توساش وإيرباص ووزارة الدفاع الإسبانية في مايو 2025 اتفاقاً لإنتاج الطائرة لصالح إسبانيا، ثم أُفيد بأن مدريد استقرت على طلب نحو 30 طائرة على أن تبدأ الدفعات الأولى عام 2028. إسبانيا بذلك ثاني دولة في الناتو تختار حرجت بعد تركيا.

أما هيركوش فهي طائرة تدريب بمروحة، حصلت على شهادة طيران أوروبية، وهي المرحلة الأقل كلفة في سلسلة تدريب الطيار قبل الانتقال إلى النفاثة. الطائرتان مكملتان لا متنافستان، وهذا ما يجعل الشركة قادرة على عرض منظومة تدريب كاملة على المشتري بدل طائرة مفردة.

لماذا تعد أنكا أهم منتجات توساش غير المأهولة؟

قامت أنكا بأول طيران لها في ديسمبر 2010 وكان قصيراً لا يتجاوز دقائق. ثم تطورت إلى عدة نسخ: أنكا-A للاستطلاع، وأنكا-B برادار تصوير اصطناعي، وأنكا-S ذات الاتصال بالأقمار الصناعية، ونسخة استخبارات إلكترونية لجهاز الاستخبارات الوطني. دخلت النسخة المتسلسلة الخدمة بدءاً من عام 2017 تقريباً.

وتشير مصادر مفتوحة إلى أن مشغّليها خارج تركيا يشملون تونس وكازاخستان وإندونيسيا وماليزيا، وهناك أحاديث عن طلبات أخرى لم تتأكد تفاصيلها. ولا تتنافس أنكا مباشرة مع شقيقتها في السوق من شركة بايكار، لأن الفئتين مختلفتان في الوزن والمهمة، وقد شرحنا ذلك في مقارنة بين أنكا وبيرقدار TB2.

وفوق أنكا تأتي أقصنقور، وهي طائرة ثنائية المحرك بحمولة أكبر ذُكر أنها موجهة لمهام بحرية وبعيدة المدى، ثم أنكا-3 الشبحية بجناح طائر، وقد أُفيد بأنها حلّقت أول مرة عام 2023. هذه المنصات تضع توساش في منافسة مع بايكار داخل تركيا نفسها، لكن الاختلاف في الفلسفة: توساش تميل إلى منصات أثقل وأكثر تعقيداً.

ما مكانة المروحيات والفضاء في أعمال الشركة؟

في المروحيات، كانت T129 أتاك أولى الخطوات، وهي مروحية هجومية طُورت بشراكة مع شركة أوغستا (ليوناردو لاحقاً) قبل أن تتحول إلى منتج تركي أكبر. ثم جاءت T625 غوكبي، مروحية متعددة المهام. وبحسب ما نشرته الشركة في أغسطس 2025، سُلّمت رابع مروحية غوكبي إلى قيادة الدرك، وأُبرم عقد إنتاج لعدد 57 مروحية من هذا الطراز.

وفي الفضاء، تتولى توساش تصنيع أقمار الاستشعار غوكتورك وتشارك في الأقمار الاتصالية، وهي أعمال تصب في الهدف نفسه: تقليل الارتهان للمورد الأجنبي، وبناء خبرة في أنظمة معقدة تعود فائدتها لاحقاً على الطائرات.

هل تعتمد الشركة على الطيران المدني أيضاً؟

نعم، وإن كان هذا الجانب أقل حضوراً في الأخبار. تصنع توساش أجزاء هيكلية لطائرات إيرباص من عائلة A320 وأجنحة صغيرة لطائرة A350، إضافة إلى أقسام من بدن طائرات بوينغ بحسب المراجع المتاحة. وهي شريك كذلك في برنامج النقل العسكري A400M. هذا العمل يجعل خطوط الشركة تلتزم بمعايير تدقيق صارمة يفرضها الزبائن الدوليون، وهو ما ينعكس على جودة التصنيع في البرامج العسكرية.

وللأمر وجه اقتصادي أيضاً. فعقود الهياكل الجوية طويلة الأجل ومستقرة، وتخفف اعتماد الشركة على دورة التمويل الحكومي للبرامج الكبرى. وقد أعلنت الشركة عن اتفاق تصدير جديد مع إيرباص يخص حرجت في صيف 2025، ما يعني أن العلاقة معها انتقلت من التوريد إلى الشراكة في منتج نهائي.

من يصنع محركات طائرات توساش؟

المحرك هو الحلقة الأضعف في أي صناعة طيران ناشئة، وتعرف توساش ذلك جيداً. أنشأت الشركة ذراعاً للمحركات هي تي إي آي (TEI) في إسكي شهير، وتعاونت مع جنرال إلكتريك. تنتج هذه الذراع محركات للمسيّرات من طراز PD170، ومحركاً للمروحيات من طراز TS1400، وتعمل على TF6000 للطائرات النفاثة، وتفيد تقارير بأنه أُعلن في 2025 عن مشروع TF35000 لمقاتلة قآن. هذه الأسماء تعكس خطة تدريجية: محركات أصغر أولاً، ثم محرك مقاتلة كاملة.

ورغم ذلك تبقى أغلب الطائرات التي تُصدّر اليوم معتمدة على محركات أمريكية. حرجت تعمل بمحرك إف404، والنماذج الأولى لقآن بمحركات إف110. وبالتالي يظل ملف تراخيص التصدير الأمريكية عاملاً يراقبه المشترون المحتملون عند التفاوض، ويُذكر في الصحافة الدفاعية بوصفه نقطة ضغط محتملة.

ما أبرز زبائن الشركة في الخارج؟

التصدير هو المقياس الذي سيحكم على نجاح الانتقال إلى التصميم. حتى وقت قريب كانت المبيعات الخارجية للشركة تقتصر على المسيّرات والتدريب الخفيف. أما الآن فتظهر ثلاث ركائز:

  • إندونيسيا. عقد 48 قآن، وطلبات مسيّرات أنكا، وتفيد تقارير بأن التسليمات الأولى من أنكا بدأت في أواخر 2025.
  • إسبانيا. طلب حرجت بالشراكة مع إيرباص، وهو أول دخول جاد للمنتج التركي إلى سوق طائرات القتال والتدريب الأوروبية.
  • دول أخرى. تونس وكازاخستان وماليزيا في مسيّرات أنكا، وتتحدث تقارير عن اهتمام دول إضافية بقآن لم تُعلن رسمياً.

أما اهتمام الدول العربية فمتصل بما سبق. فقد ظهرت توساش بجانب أسيلسان وMKE في معرض العلمين الجوي في مصر عام 2026 بحسب ما نشره موقعنا، وهي إشارة إلى أن القاهرة ترى في الشركة شريكاً محتملاً في الإنتاج لا مجرد بائع. ولا توجد حتى الآن عقود معلنة مؤكدة لقآن مع دولة عربية.

كيف تؤثر برامج توساش على الميزانية والجدول؟

برامج الشركة كبيرة ومتزامنة، وهذا يفرض ضغطاً حقيقياً على الموارد الهندسية. فهي تطور في آن واحد مقاتلة جديدة، ومحركاً، ومسيّرة شبحية، ومروحيات، وأقماراً صناعية. وتبلغ إيراداتها في 2023 نحو 63.6 مليار ليرة تركية (قرابة 1.6 مليار دولار) وفق ما تذكره المراجع، وهو رقم يعكس حجم النشاط لكنه صغير مقارنة بما تتطلبه برامج المقاتلات الحديثة عادة.

لذلك تعتمد الشركة على التمويل الحكومي المباشر وعلى مقدّمات عقود التصدير. وتحمل هذه المعادلة مخاطرها: أي تأخير في محرك أو شهادة اختبار ينتقل بسرعة إلى جدول التسليم. وهذا ما يجعل متابعة مراحل الاختبار للنماذج الثانية والثالثة من قآن، المتوقعة بحسب تقارير في 2026، أهم من متابعة العناوين.

أين تقف توساش بين شركات الدفاع التركية؟

تتقاسم توساش المشهد مع أسيلسان في الإلكترونيات، وروكيتسان في الصواريخ، وبايكار في المسيّرات. وتوضح خريطة شركات الدفاع التركية أن ما يميز توساش هو تخصصها في المنصات الجوية الكبرى التي تحتاج سنوات طويلة من التطوير والاختبار والشهادات. وللاطلاع على نشأة قطاع المسيّرات تحديداً يمكن مراجعة قصة صناعة المسيّرات التركية، كما توجد نسخة إنجليزية من ملف الشركة تتضمن مزيداً من التفاصيل.

على الجانب الآخر، لا تخلو سيرة الشركة من إشكالات. ففي يونيو 2024 أُثيرت قضية بشأن مواد تيتانيوم ورد أنها وُردت لشركات طيران عالمية بوثائق غير مطابقة، وأفادت تقارير بأن الفحوص اللاحقة أكدت أن المادة مطابقة للمواصفات الجوية. كما أُلغي مشروع الطائرة الإقليمية TRJ الذي أُطلق عام 2015، في مثال على أن التحول من التصنيع إلى التصميم لم يكن مساراً مستقيماً.

الأسئلة المفتوحة اليوم هي سرعة وتيرة الإنتاج الفعلي لقآن، وتوقيت المحرك الوطني، وقدرة الشركة على تنفيذ عقدي إندونيسيا وإسبانيا في وقت واحد دون أن تتعطل برامج القوات التركية. أما الجواب فسيظهر في دفعات التسليم الأولى بين عامي 2027 و2028، لا في البيانات الصحفية.

Defense Türkiye Newsroom جميع المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة