القبة الفولاذية التركية وكيف تربط الدفاع الجوي بشبكة واحدة

القبة الفولاذية التركية وكيف تربط الدفاع الجوي بشبكة واحدة

القبة الفولاذية (Çelik Kubbe) مشروع تركي لربط أنظمة الدفاع الجوي المنتشرة في البلاد، من الصواريخ بعيدة المدى إلى المدافع القصيرة المدى ووسائل مكافحة المسيّرات، ضمن شبكة قيادة وسيطرة واحدة. الفكرة ليست منظومة واحدة بمدى واحد، بل بنية متعددة الطبقات تتشارك الرادارات والبيانات وقرارات الاشتباك.

وقد أقرّ هذا التوجه في اجتماع لجنة الصناعات الدفاعية التنفيذية برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان في أغسطس 2024، بحسب ما ورد في تحليلات منشورة عن المشروع. وتتولى شركة أسيلسان دور المقاول الرئيسي، ومعها شركات تركية أخرى تنتج الصواريخ والمدافع والذخائر.

ما المقصود بالقبة الفولاذية تحديداً؟

الاسم يذكّر بالقبة الحديدية الإسرائيلية، لكن المقارنة تضلّل أكثر مما تشرح. القبة الحديدية نظام اعتراض قصير المدى مصمم أساساً للصواريخ والقذائف غير الموجهة. أما المشروع التركي فهو مظلة تنسيق تغطي نطاقاً أوسع من التهديدات، من الصواريخ الباليستية التكتيكية وصواريخ كروز إلى الطائرات المسيّرة الصغيرة التجارية.

الفارق العملي أن الأمر يتعلق بالدمج لا بشراء جهاز واحد. فالمنظومات قائمة أو قيد التطوير بالفعل، والجديد هو ربطها بشبكة تبني صورة جوية مشتركة وتوزّع الأهداف بين الطبقات.

ما الطبقات التي تتألف منها؟

الطبقة المنظومات المذكورة في التقارير
بعيدة المدى سيبر (SİPER)، ومنظومة غورز الهجينة (GÜRZ)
متوسطة المدى حصار-أو (HİSAR-O)
قصيرة المدى حصار-أ (HİSAR-A)، ومدفع كوركوت (KORKUT)
قصيرة جداً والنقطية صاروخ سونغور (SUNGUR) المحمول على الكتف، وتولغا (TOLGA) من MKE
مكافحة المسيّرات والحرب الإلكترونية إيجدرها (EJDERHA)، وغوكبيرك (GÖKBERK) الليزرية، وكورال (KORAL)، وبوهو (PUHU)

في الطبقة العليا، يُعد نظام سيبر العمود الفقري الصاروخي، وقد وصفته مصادر متخصصة بأنه الأكثر نضجاً بين الطبقات الصاروخية لأنه دخل الخدمة بالفعل. وللمقارنة بين سيبر وأنظمة غربية مثل باتريوت، راجع هل يغني سيبر عن باتريوت.

أما الطبقة المتوسطة فتقوم على عائلة حصار التي تنتجها روكيتسان، وللقارئ المهتم شرح مفصّل بالإنكليزية عن صواريخ حصار ودورها في الطبقة المتوسطة. وفي أدنى السلم يأتي صاروخ سونغور المخصص للتهديدات القريبة والمنخفضة الارتفاع.

كيف تعمل الشبكة التي تربط هذه الأنظمة؟

وفق ما نشرته مجلة EDR عن عرض أسيلسان في معرض ديمدكس 2026، تقوم البنية على ثلاث ركائز: المستشعرات، والقيادة والسيطرة، والأسلحة.

  • المستشعرات: رادارات ألب-جي (Alp-G) للمراقبة بعيدة المدى، ورادارات الاشتباك الخاصة بكوركوت وحصار وسيبر، إضافة إلى مستشعرات كهروبصرية وبالأشعة تحت الحمراء ومستشعرات حرب إلكترونية.
  • القيادة والسيطرة: نظام «حكيم» (Hakim)، الموصوف بأنه شبكة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لدمج البيانات وتقييم التهديدات وإسناد الأسلحة إلى الأهداف.
  • الاتصالات: شبكة «طوران» اللاسلكية التكتيكية المؤمّنة ووصلة البيانات «تي-لينك» (T-Link) للاشتباك التعاوني.

المنطق بسيط: يلتقط رادار هدفاً، وتقيّمه الشبكة، ثم يُسند إلى أنسب أداة اعتراض، فلا تُهدر صواريخ باهظة الثمن على طائرة مسيّرة رخيصة. هذا الإسناد التلقائي هو جوهر الفكرة، وهو ما يميز القبة عن مجرد تجاور أنظمة متفرقة.

هل جُرّبت القبة ميدانياً؟

أول عرض متكامل لها جرى في تمرين «إيفيس 2026» (EFES) في منطقة دوغانبي بسيفريحصار في إزمير، يومي 20 و21 مايو 2026، بحسب موقع Quwa. وضمّ العرض سيبر وحصار-أو وحصار-أ وسونغور وعناصر الحرب الإلكترونية، وتابعه الرئيس أردوغان ووزراء دفاع من نحو 50 دولة مشاركة.

لكن الموقع نفسه أشار إلى أن التقارير المتاحة لم تؤكد إجراء اعتراضات حيّة بالنار الحقيقية لكل الطبقات، أي أن العرض قد يكون اقتصر على التتبع والتنسيق. وهذه نقطة تستحق الانتباه قبل الحديث عن جاهزية كاملة.

ما العقود والمنشآت المرتبطة بالمشروع؟

أفاد موقع Breaking Defense بأن أسيلسان أعلنت في 17 يونيو 2026 اتفاقاً بقيمة نحو 780 مليون يورو (900 مليون دولار) لتوفير تقنيات دفاع جوي لمشروع القبة الفولاذية، على أن تُسلَّم المكونات بين 2028 و2032. وتذكر التقارير نفسها صفقة سابقة بنحو 1.9 مليار دولار مع رئاسة الصناعات الدفاعية في سبتمبر 2025.

وفي 10 يوليو 2026 نقل موقع Quwa أن أسيلسان وقّعت عقداً بنحو 1.47 مليار يورو (1.68 مليار دولار) مع الرئاسة لتوسيع الإنتاج التسلسلي لأنظمة الدفاع الجوي. ولم تكشف الشركة، بحسب الموقع، جدولاً زمنياً للتسليم ولا الأنظمة التي يشملها العقد. ونقل الموقع عن المدير التنفيذي للشركة أحمد أقيول أنها ستواصل الإنتاج بكميات كبيرة لدعم القبة. هذه الأرقام منسوبة إلى المصادر المذكورة ولم نتحقق منها من بيانات رسمية.

وعلى صعيد البنية الصناعية، ورد في مواد تحليلية أن أسيلسان وضعت حجر الأساس لقاعدة «أوغلبي» التكنولوجية باستثمار يقارب 1.5 مليار دولار، وتوصف بأنها أكبر منشأة دفاع جوي متكاملة في أوروبا.

لماذا تسرّع أنقرة هذا المسار؟

يرى محللون أن الحروب الأخيرة، ومنها الحرب الروسية الأوكرانية والمواجهة الإسرائيلية الإيرانية، دفعت تركيا إلى تحديث أنظمتها القديمة بوتيرة أسرع. فقد أظهرت هذه الصراعات أن الدفاع الجوي لم يعد يواجه الطائرات وحدها، بل أسراباً من المسيّرات وصواريخ كروز بتكلفة منخفضة.

وهناك بُعد سيادي أيضاً: أي منظومة تُبنى محلياً تتحرر من قيود الترخيص والتصدير الأجنبية، وهو خط تتبعه أنقرة منذ سنوات في مشاريعها الكبرى. ويؤكد الرئيس أردوغان، بحسب ما نُقل عنه، أن تركيا ستسعى يوماً إلى تصدير مثل هذه الأنظمة.

ما زال أمام المشروع مراحل طويلة، فالتسليمات المعلنة تمتد إلى 2032، وقدرات بعض الطبقات، ومنها الرادارات الأبعد مدى من عائلة ألب-جي، موصوفة في المصادر بأنها «مخطط لها» لا قائمة.

ما الدور الذي تلعبه الشركات التركية فيها؟

تقود أسيلسان الجزء الأكبر: الرادارات والحرب الإلكترونية ونظام القيادة والسيطرة ومنظومات كوركوت وغورز وسلاح الليزر. وتتولى روكيتسان الصواريخ الاعتراضية، ومنها عائلتا سيبر وحصار. وتدخل مؤسسة الصناعات الميكانيكية والكيميائية (MKE) بمنظومة تولغا القائمة على المدفع، بحسب ما ورد في تغطية تمرين إيفيس. وللتعرف على خريطة الشركات ومن يصنع ماذا، يمكن العودة إلى خريطة شركات الدفاع التركية.

هذا التوزيع يعني أن نجاح المشروع لا يتوقف على صاروخ واحد، بل على قدرة هذه الجهات على تسليم منتجات متوافقة تقنياً مع الشبكة نفسها. وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية: ربط أنظمة صُممت في أوقات مختلفة وبمواصفات مختلفة.

ما أبرز التحديات المطروحة؟

تحدثت دراسات تركية متخصصة عن مخاطر محتملة، منها التأخير وتجاوز التكاليف ونقاط الفشل الوحيدة. وتبرز كذلك مسألة الأمن السيبراني، فشبكة تربط مئات المستشعرات والمنصات بنظام مركزي تصبح هدفاً مغرياً للهجمات الإلكترونية، كما أن توافق الأنظمة الفرعية مع بعضها ليس أمراً بديهياً.

وتشير هذه الدراسات إلى خلفية تاريخية تفسر الإصرار على الإنتاج المحلي: ففي عام 2013 لم تنتهِ مساعي تركيا للحصول على منظومة باتريوت بنقل تقنية من حلفائها، وهو ما دفعها إلى الاعتماد على نفسها. وتصف تلك القراءات ملف الدفاع الجوي بأنه اختبار لمدى تفهّم الحلفاء لمخاوف أنقرة الأمنية.

القبة الفولاذية ليست جهازاً يُشغَّل بزر واحد، بل برنامج متدرج. بعض مكوناته تعمل اليوم، وبعضها في الإنتاج، وبعضها ما زال في مرحلة التطوير، والتقييم الحقيقي سيأتي حين تُعلن اختبارات اعتراض متكاملة بالذخيرة الحية. وإلى أن يحدث ذلك، يبقى الحكم على أدائها مؤجلاً، ويظل الأهم متابعة ما تُعلنه رئاسة الصناعات الدفاعية وأسيلسان عن مواعيد التسليم الفعلية، وعن حجم ما يدخل الخدمة منها في الوحدات، وعن نتائج التمارين المقبلة التي ستكشف مدى تكامل الطبقات في الواقع العملي.

Defense Türkiye Newsroom جميع المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة