لماذا تتسابق الدول العربية على اقتناء السلاح التركي
في مساء الثامن عشر من يوليو 2023 في مدينة جدة، وبحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وقّعت شركة بايكار التركية مع وزارة الدفاع السعودية أضخم عقد تصدير دفاعي في تاريخ تركيا. لم تكن تلك الصفقة حدثاً معزولاً، بل ذروة موجة إقبال عربي متصاعد على منتجات الصناعات الدفاعية التركية، موجة بدأت قبل سنوات بطائرات مسيرة قطرية ومغربية، وامتدت اليوم إلى عقود إنتاج مشترك في القاهرة ومنظومات دفاع جوي وذخائر دقيقة.
الأرقام تختصر المشهد. صادرات تركيا من الصناعات الدفاعية والطيران بلغت 11.2 مليار دولار خلال الأشهر الاثني عشر الأخيرة وفق رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، فيما سجلت الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 وحدها 5.79 مليار دولار بنمو تجاوز 26 بالمئة على أساس سنوي. وتتصدر الصواريخ والذخائر الذكية قائمة المبيعات بنحو 3.7 مليار دولار في العام الماضي، تليها الطائرات المسيرة بنحو 2.1 مليار دولار. والدول العربية، من الخليج إلى شمال أفريقيا، تحولت إلى واحدة من أهم وجهات هذه الصادرات.
صفقة جدة التي غيّرت حجم اللعبة
عقد أكينجي السعودي لم يكسر الأرقام القياسية بقيمته فحسب، والتي قدّرها محللون بأكثر من مليار دولار، بل بمضمونه أيضاً. فالاتفاق يشمل توريد طائرات بايكار أكينجي المسيرة القتالية عالية الارتفاع وطويلة التحمل، إضافة إلى خدمات تدريب وخدمات فنية ولوجستية، ونقل تكنولوجيا يمهّد لإنتاج مشترك على الأراضي السعودية. وقبل توقيع الرياض، كانت أكينجي قد دخلت الخدمة لدى أربع دول أعضاء في الناتو ودولتين من الاتحاد الأوروبي، وهو ما منح الجانب السعودي مؤشراً إضافياً على نضج المنظومة.
التنفيذ سار بوتيرة لافتة. أطقم سعودية أنهت برامج تدريبها على أكينجي في منشآت بايكار بتركيا، في خطوة تؤكد أن الصفقة تجاوزت مرحلة التوقيع البروتوكولي إلى بناء قدرة تشغيلية فعلية داخل القوات السعودية.
الخليج يفتح أبوابه للمسيرات التركية
قبل الرياض، كانت أبوظبي قد قطعت شوطاً في المسار نفسه. تقارير متطابقة تحدثت عن تفاوض الإمارات مع بايكار على شراء 120 طائرة بايراكتار TB2 في صفقة قُدّرت بنحو ملياري دولار تشمل الذخائر ومراكز القيادة والسيطرة والتدريب، وقد تسلّمت القوات الإماراتية دفعة أولى من عشرين طائرة في سبتمبر 2022. اللافت في الأمر أن هذه الصفقة جاءت بعد سنوات من التوتر السياسي بين أنقرة وأبوظبي، لتتحول المسيرات التركية إلى أحد عناوين التقارب بين البلدين.
الكويت التحقت بالركب في يونيو 2023 بعقد قيمته 367 مليون دولار لشراء طائرات TB2، لتصبح الدولة الثامنة والعشرين التي تقتني هذه المنظومة حول العالم. العقد شمل تجهيز منشآت خاصة بالطائرات ومحطات تحكم أرضية متنقلة متوافقة مع معايير الناتو، إضافة إلى الدعم الفني واللوجستي. وفي يوليو 2025 أدخل الجيش الكويتي المسيرة رسمياً إلى أسطوله القتالي في مراسم أقيمت بقاعدة سالم الصباح الجوية.
أما قطر فتحتل موقعاً خاصاً في هذه القصة، إذ كانت أول زبون تصديري لطائرة TB2 على الإطلاق. ففي معرض ديمدكس 2018 وقّعت الدوحة حزمة عقود مع الشركات التركية قاربت 800 مليون دولار، شملت ست طائرات TB2 مع ثلاث محطات تحكم أرضية وجهاز محاكاة، وسفينتي تدريب عسكريتين من حوض أناضول للسفن تتسع كل منهما لتدريب 72 من طلبة البحرية، إلى جانب مدرعات تركية الصنع. وأكمل فريق قطري من 55 فرداً تدريبه في تركيا على تشغيل المسيرات وصيانتها.
المغرب وليبيا تجربتان مختلفتان بنتيجة واحدة
في شمال أفريقيا، وقّعت القوات المسلحة الملكية المغربية عام 2021 عقداً بنحو 70 مليون دولار لاقتناء 13 طائرة TB2 مع أربع محطات تحكم أرضية ومنظومة محاكاة، وتسلمت الدفعة الأولى في سبتمبر من العام نفسه. وفي أغسطس 2024 أكدت بايكار تسليم الرباط طائرات إضافية من الطراز ذاته دون الكشف عن عددها أو قيمة العقد، في مؤشر على رضا المشغّل المغربي الذي يوظف هذه الطائرات في مراقبة حدوده الممتدة.
ليبيا قدمت للطائرات المسيرة التركية شيئاً مختلفاً تماماً، هو السجل القتالي. فخلال معارك 2020 غيّرت طائرات TB2 التي حصلت عليها حكومة الوفاق الوطني موازين القوى على الأرض، وشكّل الأداء الليبي، إلى جانب ما جرى لاحقاً في قره باغ ثم أوكرانيا، مادة دعائية لم تكن أي حملة تسويق لتشتريها. الزبائن العرب لم يعودوا يشترون وعوداً على الورق، بل منظومة مجربة في ثلاث بيئات عمليات مختلفة.
مصر من القطيعة إلى خطوط الإنتاج المشتركة
التحول الأكثر دلالة ربما جرى في القاهرة. فبعد عقد من القطيعة السياسية، أعادت أنقرة والقاهرة بناء علاقتهما الدفاعية على أساس الإنتاج المشترك لا البيع المباشر فقط. شركة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية MKE أسست شركة تابعة مملوكة لها بالكامل في القاهرة تحت اسم “ظفر”، لإدارة أنشطتها التجارية ومشاريع الإنتاج المشترك مع وزارة الإنتاج الحربي المصرية، على أن تشكل المنصة المصرية بوابة لأسواق أفريقيا والخليج.
وفي فبراير 2026، وخلال زيارة رسمية للرئيس أردوغان إلى القاهرة، وُقّعت حزمة تعاون دفاعي بقيمة 350 مليون دولار تتضمن تصدير منظومة الدفاع الجوي قصيرة المدى “تولغا” إلى مصر بقيمة 130 مليون دولار، وإنشاء مصنع لذخيرة المدفعية عيار 155 ملم بعيدة المدى وخطوط إنتاج لذخائر 7.62 و12.7 ملم على الأراضي المصرية.
المسار الجوي لم يتأخر. شركة هافلسان التركية والهيئة العربية للتصنيع المصرية وقّعتا في أغسطس 2025 اتفاقية تعاون استراتيجي للإنتاج المشترك لطائرات مسيرة ذاتية التشغيل بقدرة إقلاع وهبوط عمودي، وكشفتا عن أول نموذج من طائرة “حمزة-1” في معرض إيديكس بالقاهرة في ديسمبر 2025، قبل أن توقّعا اتفاقية بيع للمنظومة خلال معرض العلمين الدولي للطيران في 2026. طائرة وُلدت من شراكة تركية مصرية وتُباع من القاهرة، وهذه صيغة لم تعرضها أي دولة مصدّرة كبرى على مصر من قبل.
ما الذي تجده العواصم العربية في المنتج التركي؟
أول الأسباب هو معادلة السعر مقابل القدرة. المسيرات التركية تقدم قدرات استطلاع وضربة دقيقة بكلفة تقل كثيراً عن نظيراتها الغربية من الفئة نفسها، مع كلفة تشغيل وصيانة يمكن لجيوش متوسطة الحجم تحمّلها على المدى الطويل. صفقة الكويت مثال واضح، إذ غطى مبلغ 367 مليون دولار الطائرات ومنشآتها ومحطات التحكم والدعم اللوجستي معاً، وهي حزمة كان ثمنها سيتضاعف مرات لو طُلبت من مورد غربي تقليدي.
ثاني الأسباب سياسي بامتياز. فالمشتري العربي خبر طويلاً تعليق صفقات غربية أو تقييدها بموافقات برلمانية وقيود استخدام، بينما تأتي المنتجات التركية دون اشتراطات سياسية مماثلة ودون قوائم انتظار تمتد سنوات. تجربة العراق نفسها تقدم الدليل المعاكس، إذ ظلت مفاوضات بغداد المعلنة لشراء مروحيات T129 التركية معلقة لسنوات بسبب حاجة محركها الأمريكي البريطاني إلى إذن تصدير من واشنطن، وهي عقدة دفعت أنقرة ذاتها نحو توطين محركاتها ومكوناتها الحساسة.
ثالث الأسباب هو نقل التكنولوجيا. الرياض حصلت على التزام بالإنتاج المشترك في صفقة أكينجي، والقاهرة حصلت على خطوط إنتاج وشركة تابعة ومنتج مشترك يحمل اسماً عربياً، وأبوظبي تفاوضت على تصنيع مكونات محلياً. هذه المرونة تلامس جوهر الاستراتيجيات العربية الساعية إلى بناء قواعد صناعية دفاعية وطنية، وتمنح السلاح التركي ميزة يصعب على المنافسين التقليديين مجاراتها.
يبقى عامل السجل القتالي الذي راكمته المنظومات التركية في ليبيا وقره باغ وأوكرانيا، وهو ما حوّل عبارة “مجرب في المعركة” من شعار تسويقي إلى حقيقة موثقة بتسجيلات مصورة تناقلتها وسائل الإعلام العالمية.
السوق العربية المقبلة تتجاوز المسيرات
الطلب العربي بدأ يتوسع من الطائرات المسيرة إلى سلة المنتجات التركية الأكمل. فمنظومات الدفاع الجوي التركية باتت معروضة للتصدير بعد دخول منظومة سيبر للدفاع الجوي بعيد المدى الخدمة لدى القوات التركية، فيما وسّعت أنقرة ترسانتها الصاروخية بمنظومات من بينها صاروخ كروز كارا أتماجا المخصص لضرب الأهداف البرية العميقة، وكلاهما يفتح أمام الزبائن العرب خيارات كانت حكراً على موردين محدودين.
وفي الجو، تراهن بايكار على الجيل التالي من طائراتها القتالية النفاثة، وعلى رأسها بايراكتار قيزيل إلما المقاتلة بدون طيار التي تواصل اختبارات الطيران وتستقطب اهتمام مشغلي TB2 وأكينجي الحاليين بوصفها الخطوة المنطقية التالية. كما دخل مقاتلة “قآن” التركية المأهولة خط العروض الرسمية، بعدما طرحتها أنقرة على شركاء محتملين بديلاً عن المقاتلات الغربية.
العناوين المقبلة في هذا الملف واضحة المعالم. تسليم دفعات أكينجي السعودية وبدء ترتيبات الإنتاج المشترك، وأول منتجات مصنع الذخيرة المصري وخط “حمزة-1″، ومسار مفاوضات بغداد، إضافة إلى عقود الدفاع الجوي التي تتفاوض عليها أنقرة مع أكثر من عاصمة عربية. وإذا صحّت وتيرة النمو الحالية، فإن حصة الدول العربية من صادرات الصناعات الدفاعية التركية مرشحة لأن تتقدم على حصص أسواق آسيا وأوروبا خلال السنوات القليلة المقبلة.