الشراكة الدفاعية بين تركيا وقطر من القواعد العسكرية إلى خطوط الإنتاج

الشراكة الدفاعية بين تركيا وقطر من القواعد العسكرية إلى خطوط الإنتاج

حين وصلت أولى الوحدات التركية إلى الدوحة في أكتوبر 2015، كان الأمر يبدو ترتيباً تدريبياً هادئاً بين حليفين. بعد عشر سنوات تقريباً، صار الوجود العسكري التركي في قطر ثلاثي الأبعاد، بري وبحري وجوي، وتحوّل إلى جانب من جوانب التعاون الدفاعي التركي القطري، لكنه ليس الجانب الوحيد. فإلى جانب القواعد هناك عقود مسيّرات وزوارق هجومية ومركبات مدرعة، وشركة مشتركة تسعى إلى توطين جزء من الصناعات الدفاعية على الأرض القطرية.

كيف بدأ التعاون العسكري بين أنقرة والدوحة؟

الإطار القانوني للعلاقة يعود إلى اتفاق وُقّع في ديسمبر 2014، ونصّ على تدريب القوات القطرية وتبادل الخبرات وإقامة وجود عسكري تركي في قطر. وبحسب ما نشرته صحيفة «ديلي صباح» التركية، وصلت أولى القوات التركية إلى الدوحة في الرابع من أكتوبر 2015 ضمن ما سُمّي قيادة القوة المشتركة التركية القطرية، وكان عددها في البداية محدوداً، إذ تحدثت تقارير عن نحو 150 عنصراً عام 2016.

التحول الكبير جاء مع الأزمة الخليجية في يونيو 2017، حين قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها بقطر وأغلقت مجالها الجوي أمام طيرانها المدني. في السابع من الشهر نفسه أقرّ البرلمان التركي مشروع قانون يجيز نشر قوات في قطر بأغلبية 240 صوتاً، وفق ما نقلته «الجزيرة». ولم يحدد القانون عدد الجنود ولا موعد وصولهم، لكنه ربط التعاون بتحديث الجيش القطري وبالتدريب والمناورات.

وتشير تقارير تركية إلى أن حجم الانتشار ارتفع بعد 2017 بصورة ملحوظة، وتحدث بعضها عن آلاف الجنود. أما الأرقام الرسمية الدقيقة فنادراً ما تُعلن، ولذلك يُستحسن التعامل مع هذه التقديرات بحذر. وفي نوفمبر 2019 افتتح الرئيس رجب طيب أردوغان قاعدة ثانية في قطر، وقال إن قيادة القوة المشتركة تخدم استقرار قطر والخليج معاً، وقد أُطلق على المقر اسم خالد بن الوليد.

ما الذي تغيّر منذ 2024 على الأرض وفي البحر والجو؟

في يوليو 2024 أُعلن تشكيل قوة مشتركة بحرية وجوية تضاف إلى العنصر البري القائم منذ 2017. وبحسب موقع «جينز»، وصلت سفينتا الدورية التابعتان لفئة توزلا، «تي سي جي كومكالي» و«تي سي جي كوشاداسي»، إلى قاعدة أم الحول البحرية لتشكلا العنصر البحري في القيادة المشتركة. ووصف وزير الدفاع التركي يشار غولر الخطوة بأنها تنقل العلاقات إلى مستوى جديد.

وفي 30 يوليو 2024 نُشرت ست مقاتلات من طراز إف-16 تركية في قاعدة دخان الجوية، وفق ما نقله موقع «توركيا توداي» عن وزارة الدفاع التركية. وأعلنت الوزارة في يونيو 2025 أن عنصر القيادة الجوية المرابط في دخان أتمّ ألف ساعة طيران. وتشمل التدريبات المشتركة طائرات القوات الجوية القطرية من طراز يوروفايتر تايفون وداسو رافال وإف-15، ما يمنح الطيارين الأتراك احتكاكاً بمنصات غربية متعددة، ويمنح القطريين فرصة لتدريب مشترك مع سلاح جو حليف.

وفي أبريل 2026 زار غولر الدوحة، فاستقبله أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، كما زار قيادة القوة المشتركة، وفق تقارير تركية. وكانت قطر ضمن الدول المشاركة في تدريب «نسر الأناضول 2025» الذي استضافته قونيا بين 23 يونيو و4 يوليو 2025.

ما أبرز صفقات السلاح بين الطرفين؟

البداية كانت مع الطائرات المسيّرة. ففي معرض ديمدكس 2018 بالدوحة وقّعت «بايكار» عقداً لتسليم قطر ست طائرات مسلحة من طراز بيرقدار TB2 مع ثلاث محطات تحكم أرضية ومحاكي تدريب، وفق ما نشرته مجلة «ديفنس تركي». وقُدّم العقد حينها بوصفه أول تصدير لهذه الفئة من المسيّرات في تاريخ الصناعة التركية. وشمل العقد تدريب العاملين القطريين على الطيران والحمولات والصيانة في تركيا، ودعماً لوجستياً وفنياً لمدة عامين، كما ضم ذخائر «روكيتسان» الذكية الصغيرة MAM-L وMAM-C. ولمن يريد فهم موقع هذه الطائرة بين أخواتها، مقارنة أكينجي وTB2 تشرح الفوارق بين المسيّرة الخفيفة والثقيلة.

وذكرت صحيفة «قطر تريبيون» أن فريقاً قطرياً من 55 فرداً أنهى دورات تدريبية على تشغيل المسيّرات في تركيا على يد مهندسين وخبراء من «بايكار»، وأن الشركة قدمت دعماً فنياً ولوجستياً للجانب القطري. هذه التفاصيل تهم لأن قيمة العقد لا تقف عند الطائرة، بل تمتد إلى التدريب وسلسلة الدعم التي تربط المستخدم بالمصنّع سنوات طويلة.

المركبات المدرعة كانت الملف الثاني. فقد ذكرت تقارير تركية أن «نورول ماكينا» ستورّد لقطر مئات المركبات التكتيكية 4×4 من طراز «إيجدر»، وجرى الحديث عن رقم يبلغ 400 مركبة. وأُعلن في الفترة نفسها عن عقود أخرى في معرض ديمدكس 2018 بنحو 800 مليون دولار بحسب ما نقلت صحيفة «ديلي صباح»، وهي أرقام تفتقر إلى تفاصيل رسمية منشورة، ولذلك تُنقل هنا بصيغة «بحسب ما نُشر».

أما بحرياً، فقد أفادت «ذا ديفنس بوست» في مارس 2024 بأن حوض «دياريسان» التركي تعاقد على بناء زورقين هجوميين سريعين من طراز FAC 50 للقوات البحرية الأميرية القطرية. طول كل زورق 50 متراً وعرضه 9.2 متراً، وهيكله من الفولاذ وبنيته العلوية من الألمنيوم، ويتسع لنحو 30 فرداً وتزيد سرعته على 36 عقدة. وتشمل المنظومات المعلنة صواريخ «تشاكير» الجوالة وصواريخ «سونغور» للدفاع الجوي ومحطات أسلحة «ستامب» ومدافع 40 ملم. وسُمّيت الفئة «حلول 11»، ويُتوقع التسليم الأول بعد نحو ثلاث سنوات من توقيع العقد.

هل يقتصر الأمر على الشراء؟

لا. أوضح ما يميز المرحلة الأخيرة هو الانتقال من منطق المشتري والبائع إلى منطق الشراكة الصناعية. ففي مارس 2024، خلال ديمدكس، وقّعت «أسيلسان» و«برزان القابضة» القطرية مذكرتي تفاهم. الأولى تخص نقل تقنية وإنتاج مجموعات التوجيه الليزري، والثانية تخص تعزيز قدرات القوات البرية القطرية في الحرب الإلكترونية، وفق مجلة «إي دي آر». وركّز الرئيس التنفيذي لبرزان على نقل المعرفة ودمج التقنيات الجديدة.

وفي 20 يناير 2026، وخلال ديمدكس أيضاً، أعلنت الشركتان توسيع مشروعهما المشترك «برق» (BARQ) ليشمل مجالات عالية التقنية وقدرات إنتاج محلية مختارة، مع نقل التقنية والخبرة الصناعية وتنمية الكفاءات المحلية. ووقّع عن «أسيلسان» نائب رئيسها أوزغور طيلان ساري، وعن «برزان» رئيسها التنفيذي محمد بدر السعدة. ولم يُعلن عن منتجات بعينها ضمن هذا التوسع، فكل ما يُقال عن حجمه أو منتجاته يبقى تخميناً. للتعرف على الشركة التركية وخلفيتها يمكن الرجوع إلى خريطة شركات الدفاع التركية الكبرى.

هذه الصيغة تناسب دولة صغيرة غنية مثل قطر، تريد تنويع مصادر السلاح بعيداً عن الموردين الغربيين التقليديين، وتحتاج في الوقت نفسه إلى بناء قدرات محلية لا تكتفي بالاستيراد. وتناسب تركيا التي تبحث عن أسواق ثابتة وشركاء يمولون تطوير المنتجات ويفتحون لها الباب أمام الخليج.

ولا يعني هذا أن قطر تعتمد على تركيا وحدها. فقد تعاقدت الدوحة مع الشركة الإيطالية «فينكانتييري» على أسطول من السفن الحربية يضم كورفيتات وسفينة إنزال وسفناً للدوريات، وفق ما نشرته «دوحة نيوز» نقلاً عن «رويترز»، إضافة إلى مقاتلات ومنظومات أوروبية وأمريكية في سلاح الجو. الصورة إذن أقرب إلى سياسة تنويع، تجعل تركيا شريكاً مهماً في الأمن القطري من غير أن تحل محل بقية الموردين.

وفي هذا السياق نقلت «قطر تريبيون» عن السفير التركي في الدوحة قوله إن بلاده ستقف إلى جانب قطر في تعزيز قدراتها الأمنية والدفاعية، وهو خطاب يتكرر في المناسبات الرسمية ويعكس رغبة أنقرة في ترسيخ حضورها الدفاعي في الخليج على المدى الطويل، لا في صفقات منفردة فحسب.

كيف يقارن هذا النموذج بشراكات تركيا الأخرى في المنطقة؟

قطر ليست الحالة الوحيدة. فقد انتقلت علاقة تركيا الدفاعية بمصر من المناورات إلى خطوط الإنتاج، كما شرحنا في التعاون الدفاعي التركي المصري، وجاءت صفقة السعودية الكبرى لتغير حسابات الخليج كما في أكينجي السعودية وتوازن الخليج. غير أن قطر تبقى الأوثق عسكرياً، لأنها الدولة العربية الوحيدة التي تستضيف قوة تركية دائمة بري وبحري وجوي. وللاطلاع على الدوافع العامة وراء هذا الإقبال، يمكن قراءة لماذا تتسابق الدول العربية على اقتناء السلاح التركي.

تبقى أسئلة مفتوحة: متى تُسلَّم زوارق «حلول 11» فعلاً، وما حجم الإنتاج المحلي الذي سيخرج من مشروع «برق»، وهل تنتقل القيادة المشتركة من التدريب إلى مهام أوسع؟ الإجابات ستظهر على الأرجح في دورات ديمدكس المقبلة وفي بيانات وزارة الدفاع التركية.

Defense Türkiye Newsroom جميع المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة