أكينجي السعودية بعد الصفقة الكبرى وما يتغير في حسابات الخليج
أعلنت «بايكار» في 25 سبتمبر 2026 أن 30 فرداً من القوات البحرية الملكية السعودية أنهوا تدريباً في مركزها للتدريب على الطيران والاختبار في تشورلو شمال غربي تركيا، بينهم 15 طياراً و15 فنياً في الميكانيك والإلكترونيات. البيان لم يذكر المنظومة بالاسم، غير أن الصورة المرافقة أظهرت الخريجين إلى جانب طائرات «بيرقدار أكينجي» (AKINCI)، بحسب «جينز»، وربطت وكالة الأناضول التدريب بعقد التصدير الذي وُقّع عام 2023.
الخبر صغير في ظاهره، لكنه يضيف حلقة جديدة إلى قصة أكينجي السعودية: عقد ضخم، وتوطين صناعي، ودفعات تدريب متتالية، ثم طائرة من الطراز أُعلن إسقاطها فوق اليمن قبل شهرين. ويأتي ذلك في توقيت سياسي حساس، فالرياض تواجه تصعيداً حوثياً منذ يوليو وتبني في الوقت نفسه إطاراً دفاعياً جديداً مع أنقرة وإسلام آباد.
ماذا تتضمن صفقة أكينجي مع السعودية فعلاً؟
وقّعت «بايكار» اتفاقية تصدير وتعاون مع وزارة الدفاع السعودية في يوليو 2023، ووصفتها بأنها أكبر عقد تصدير دفاعي وجوي في تاريخ الجمهورية التركية. وتنسب تقارير صحفية إلى الصفقة قيمة تقارب ثلاثة مليارات دولار، دون أن يرد رقم رسمي في البيانات التي راجعناها، كما لم يُعلن عدد الطائرات المتعاقد عليها.
الأهم من الرقم هو هيكل الاتفاق. فبعد التوقيع استضافت وزارة الدفاع السعودية في الرياض مراسم لاتفاقية توطين تصنيع الطائرات المسيّرة، وقّعت خلالها «بايكار» مذكرات تفاهم مع الصناعات العسكرية السعودية (سامي) لنقل التقنية والإنتاج المحلي. ووقّعت «أسيلسان» و«روكيتسان» مذكرتين منفصلتين مع الشركة الوطنية للأنظمة الميكانيكية. كما تعهدت «بايكار» بتقديم التدريب والدعم الفني والخدمات اللوجستية. وذكرت «سامي»، وفق «جينز»، أن البرنامج يتيح إنتاج ما يصل إلى 70 في المئة من الطائرة محلياً.
| التاريخ | الواقعة | المصدر |
|---|---|---|
| يوليو 2023 | توقيع عقد أكينجي مع وزارة الدفاع السعودية، ثم مذكرات التوطين مع «سامي» | الأناضول |
| أكتوبر 2025 | بيان من «بايكار» عن تخرج أفراد من سلاح الجو الملكي السعودي في تشورلو | جينز |
| 26 يوليو 2026 | الحوثيون يعلنون إسقاط أكينجي فوق محافظة الجوف اليمنية | جينز، فوربس |
| 11 سبتمبر 2026 | أكينجي تصيب هدفاً بحرياً على بعد يتجاوز 250 كيلومتراً بصاروخ «إيها-300» | بيان «بايكار» |
| 25 سبتمبر 2026 | تخرج 30 فرداً من البحرية الملكية السعودية | الأناضول، جينز |
لماذا تدرّب البحرية السعودية على طائرة أكينجي؟
اللافت أن الخريجين هذه المرة من البحرية لا من سلاح الجو. وبحسب «جينز»، قالت وزارة الدفاع السعودية في بيان لاحق إن هذه ثاني دفعة من أفراد البحرية تتدرب على منظومة «الرعد»، وهو اسم يبدو أنه التسمية السعودية لأكينجي. أما الدفعة الأولى فلم يُعلن عن تخرجها، في حين أعلنت «بايكار» في أكتوبر 2025 تخرج أفراد من سلاح الجو. وكانت الشركة قد قالت عند إعلان الصفقة إن الطائرات ستُسلَّم إلى القوات البحرية وسلاح الجو معاً.
لا تعني الدفعتان بالضرورة أن الأسطول الجوي المسيّر صار كبيراً، لكنهما تدلان على أن السعودية تبني ملاكاً بشرياً في فرعين مختلفين. وعلى الصفحة الرسمية لأكينجي تصف «بايكار» الطائرة بأنها منصة لمهام برية وبحرية، تشمل الاستطلاع والضربات الدقيقة والحرب المضادة للغواصات والحرب السطحية ودوريات السواحل. ارتفاع الخدمة المعلن 40 ألف قدم، وحمولتها 1500 كيلوغرام.
ولا تتوافر تفاصيل رسمية عن المهام البحرية السعودية ولا عن تجهيزات الطائرات التي ستعمل فيها. ويبقى ربط التدريب البحري بمهام مراقبة الملاحة في البحر الأحمر والخليج تقديراً تحليلياً لا معلومة مؤكدة.
ماذا يكشف إسقاط أكينجي فوق اليمن؟
في 26 يوليو 2026 أعلن الحوثيون أنهم أسقطوا طائرة أكينجي فوق محافظة الجوف في شمال اليمن، ونشروا مقطعاً يُظهر حطام طائرة من هذا الطراز. رأت «جينز» أن الحادثة أكدت عملياً دخول الطراز الخدمة السعودية، وذكرت «فوربس» أن الطائرة كانت تتبع سلاح الجو الملكي السعودي. لم تعلّق الرياض على تفاصيل الإسقاط في ما اطلعنا عليه.
هذه الواقعة تحمل وجهين. فهي أول دليل علني على أن أكينجي تحلق فعلاً في الخدمة السعودية، أي أن الصفقة تجاوزت الورق. وهي في الوقت نفسه تذكّر بأن الطائرة الأكبر والأغلى من «بيرقدار تي بي 2» تعمل في أجواء مكتظة بالدفاعات الجوية الحوثية، حيث أعلنت الجماعة في سبتمبر أيضاً إسقاط مقاتلة سعودية من طراز إف-15 فوق مأرب. وهذا ادعاء حوثي لم يتأكد من مصدر مستقل في ما راجعناه.
كيف تتوزع المسيّرات التركية في الخليج؟
ترسم «فوربس» صورة واسعة. قطر كانت أول مشترٍ أجنبي لـ«تي بي 2» عام 2018 بستة طائرات. والكويت طلبت 18 طائرة في عقد قيمته 370 مليون دولار بدأت في الوصول في يوليو 2025. أما الإمارات فتفيد تقارير بأنها طلبت 120 طائرة «تي بي 2» عام 2022، وتقول «فوربس» إنها حصلت كذلك على أكينجي. وتبقى سلطنة عُمان والبحرين وحدهما خارج دائرة المشترين بين دول مجلس التعاون الست، وفق المصدر نفسه.
لم تكن هذه الخريطة ممكنة قبل عقد. فمع رفض واشنطن بيع طائرات مسلحة لدول الخليج في العقد الماضي، اتجهت دول عدة في المنطقة إلى الصين، ومنها الإمارات التي شغّلت طائرات «وينغ لونغ 2». ثم جاء تحسن العلاقات مع أنقرة. ووفق «فوربس»، اتفقت السعودية عام 2021 على تصنيع «كارايل-إس يو» بترخيص من «فيستل للدفاع»، قبل أن تطلب أكينجي بعد عامين.
الفارق في حالة السعودية أن العقد لا يقوم على الشراء وحده. فالتوطين حتى نسبة 70 في المئة، إن تحقق، يجعل الرياض شريكاً في السلسلة الصناعية لا مستهلكاً فقط. وقد سبق أن ذكر تقرير لموقعنا أن سيلجوق بيرقدار أشار في أغسطس 2025 إلى إقامة خطوط تجميع على الأراضي السعودية، مع هدف أولي بأول طائرة مصنعة محلياً خلال 2026. ولم نجد إعلاناً رسمياً حتى الآن بأن ذلك تحقق.
أين تقف الصفقة من تحالف مكة الدفاعي؟
وقّع الرئيس رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس 2026. واجتمع وزراء ومسؤولون عسكريون من الدول الثلاث في إسطنبول في 31 أغسطس، واتفقوا على أمانة عامة دائمة في الرياض. ويتضمن الاتفاق بنداً يعدّ الهجوم على أحد الأطراف هجوماً على الجميع. وقد فصّلنا ملامح هذا الإطار المؤسسي في تقرير سابق.
في 25 سبتمبر اجتمع رؤساء الأركان في الرياض. ونقل موقع «إس إس بولتن» أن رئيس الأركان التركي الفريق سلجوق بيرقدار أوغلو عرض أفكاراً للدعم السعودي تشمل الإنذار المبكر والرادار وأجهزة الاستشعار والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي والقيادة والسيطرة، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى مواجهة مباشرة مع إيران. ويضيف الموقع أن الرياض لم تطلب رسمياً أي مساعدة في إطار التحالف.
هنا يتضح معنى الصفقة. أكينجي ليست عنصراً في التحالف، لكنها قناة عملية جاهزة للعلاقة الثنائية: ملاك مدرَّب، وخط إنتاج قيد التأسيس، وخدمات دعم ممتدة. ومع تصريح وزير الخارجية هاكان فيدان في 19 سبتمبر بأن أنقرة لا ترى مانعاً من تلبية احتياجات السعودية العسكرية، خصوصاً الفنية منها، يصبح من السهل تخيل توسع التعاون من الطائرة المسيّرة إلى الحلقات الأخرى. لكن فيدان لم يسمّ منظومة ولا موعداً، وهذا ما ينبغي الانتباه إليه.
هل تغيّر الصفقة توازن الخليج فعلاً؟
الإجابة الحذرة: تغيّر جزءاً من الحسابات ولا تقلبها. فالسعودية لا تزال تعتمد على مقاتلات ومنظومات أميركية، وقد وافقت واشنطن في 17 سبتمبر، بحسب إشعار وكالة التعاون الأمني الدفاعي إلى الكونغرس، على بيع ما يصل إلى 48 مقاتلة إف-35 إيه للرياض، وهو بيع ما زال خاضعاً لمراجعة الكونغرس. أكينجي إذن لا تحل محل هذا الاعتماد، بل تضيف مورداً ثانياً في فئة حساسة هي الطائرات المسيّرة الثقيلة المسلحة.
أما السؤال التنافسي فيتعلق بخصوم أكينجي في السوق الخليجية: الطائرات الصينية التي تشغلها دول المنطقة منذ سنوات، والطائرات الأميركية التي تخضع لقيود تصدير. وتراهن «بايكار» على سرعة التسليم وقدر أقل من القيود وعلى عرض التوطين. وهذه مزايا تتحدث عنها الشركة وتحليلات السوق، ولا تعني بالضرورة تفوقاً عملياتياً. ونتناول هذا التحول بتفصيل أوسع في مقالنا عن أسباب تسابق الدول العربية على السلاح التركي.
وبالنسبة لأنقرة، فالمكسب في تقديرنا مزدوج: إيرادات تصدير وحضور صناعي داخل المملكة، وورقة إضافية داخل تحالف ثلاثي يضم باكستان. وفي المقابل تتحمل «بايكار» مسؤولية سمعة طائرة تعمل في ساحة من أصعب ساحات المنطقة.
ما الذي لا نعرفه بعد عن أكينجي السعودية؟
ثمة أسئلة تنتظر إجابات رسمية. كم عدد الطائرات التي سلّمت فعلاً وبأي جدول؟ هل تختلف تجهيزات الطائرات البحرية عن نسخة سلاح الجو من حيث المستشعرات والذخائر؟ وأين وصل خط التجميع السعودي الذي استهدف أول طائرة محلية خلال 2026؟ وهناك سؤال تسليحي أيضاً: هل ستطلب الرياض ذخائر أبعد مدى بعد أن أصابت أكينجي في 11 سبتمبر بصاروخ «إيها-300» الأسرع من الصوت هدفاً بحرياً على بعد يتجاوز 250 كيلومتراً قبالة سينوب؟ لم يصدر ما يجيب عن ذلك.
للمتابع، المؤشرات الأوضح ثلاثة: إعلان سعودي أو تركي عن أول طائرة مصنّعة محلياً، ودفعة تدريب ثالثة أو نشر علني لطائرات البحرية، وأي صيغة رسمية لطلب دعم دفاعي جوي من أنقرة ضمن إطار مكة. وللتعرف على مواصفات الطائرة وتاريخها التشغيلي، يمكن الرجوع إلى ملف بيرقدار أكينجي وملف شركة بايكار. وللاطلاع على تفاصيل دفعة التدريب، راجع تقريرنا عن تخرج الطواقم البحرية السعودية.