كيف انتقلت أبوظبي وأنقرة من الخصومة إلى مسيّرات وذخائر مشتركة

كيف انتقلت أبوظبي وأنقرة من الخصومة إلى مسيّرات وذخائر مشتركة

قبل خمس سنوات فقط كان الحديث عن شراكة دفاعية بين أبوظبي وأنقرة يبدو أقرب إلى الخيال. الدولتان وقفتا على جبهتين متقابلتين في ليبيا، واختلفتا حول أزمة قطر عام 2017 وحول غاز شرق المتوسط. اليوم تجلس شركات إماراتية وتركية على طاولة واحدة لتركيب ذخائر إماراتية على مسيّرات تركية، وتتبادل تسويق منتجاتها. كيف حدث هذا التحول، وإلى أي مدى هو عميق؟

كيف انتهت القطيعة بين البلدين؟

بدأ الانفراج سياسياً قبل أن يصل إلى الصناعة. زار ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد أنقرة في نوفمبر 2021، وأعلنت الإمارات بعدها صندوقاً بقيمة 10 مليارات دولار للاستثمار في تركيا. ثم وصل الرئيس رجب طيب أردوغان إلى أبوظبي في 14 فبراير 2022 في أول زيارة له للإمارات منذ نحو عقد، وشهد مع الشيخ محمد توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم، بينها خطاب نوايا للتعاون في الصناعات الدفاعية، بحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية.

الدافع كان مشتركاً. أنقرة تحتاج إلى استثمارات وتمويل في ظل ضغوط اقتصادية، وأبوظبي تريد تقليص صراعاتها الإقليمية وتنويع شركائها العسكريين وبناء صناعة محلية بدل الاكتفاء بالاستيراد.

لماذا أنشأت إيدج كياناً خاصاً بتركيا؟

«إيدج» أكبر مجموعة دفاعية في الإمارات، وتضم عدة شركات تابعة تعمل في الذخائر والأنظمة غير المأهولة والأمن السيبراني والطيران. أن تفتح مجموعة بهذا الحجم مكتباً مستقلاً لبلد واحد أمر غير معتاد، وهو يوضح أن أبوظبي نظرت إلى السوق التركية بوصفها شريكاً طويل الأمد لا مورّداً عابراً. ووفق وصف الشركة نفسها، جاءت «ملذّ» لتكون محفزاً لمشاريع جديدة بين «إيدج» وشركات «ساها»، أي بين الجانب الإماراتي ومنظومة الصناعات التركية بأكملها بما فيها الشركات الصغيرة والمتوسطة. وقال رئيس «ساها» هالوك بيرقدار إن الهدف خلق «تآزر» يشمل هذه الشركات إلى جانب الكبرى.

هذه البنية تفسّر لماذا تتوالى الاتفاقيات الصغيرة والمتفرقة، من الاتصالات الفضائية إلى المكونات والذخائر، بدلاً من صفقة واحدة ضخمة. هي شبكة علاقات تُبنى طبقة فوق طبقة.

ما الذي وقّعته الشركات في 2023؟

تسارعت الخطوات في صيف 2023. أفادت «ديفنس نيوز» بأن اتفاقيات وُقّعت في يوليو 2023 قُدّرت قيمتها بنحو 50.7 مليار دولار شملت استثمارات إماراتية في قطاعي الدفاع والفضاء التركيين، وهو رقم يعكس تعهدات ومذكرات وليس عقود توريد منفذة.

وفي أكتوبر من العام نفسه وقّعت مجموعة «إيدج» الإماراتية وشركات تابعة لها 24 اتفاقية إطارية مع شركات تركية خلال فعالية نظّمتها «ساها» (مجموعة الصناعات الدفاعية والفضائية التركية) في أنقرة. ولم تُعلن قيمة منفصلة لكل اتفاقية. أسست «إيدج» كياناً خاصاً لإدارة الملف التركي هو «ملذّ» (MALATH)، يتولى تنسيق المشاريع المشتركة والتجارة المباشرة والاستثمار والإنتاج المشترك.

وفي تلك الأيام، نقلت «غلف نيوز» عن الرئيس التنفيذي للمجموعة فيصل البناي أن «إيدج» خصصت ميزانية استثمار بحدود «بضعة مليارات من الدولارات»، وأن حجم الصفقة الواحدة قد يتراوح بين نصف مليار ملياري دولار بحسب الفرص. وركّز البناي على الأنظمة ذاتية التشغيل والحرب الإلكترونية والأسلحة الذكية. وقد التقى مسؤولو المجموعة آنذاك شركات مثل أسيلسان وبايكار وروكتسان وكاتميرجيلر.

أين تظهر المسيّرات في هذه الشراكة؟

المسيّرات هي الواجهة الأوضح. في معرض دبي للطيران في نوفمبر 2023 قال البناي إن بلاده تجري محادثات مع بايكار لدمج صواريخ «إيدج» على بعض مسيّراتها، وربما شراء الطراز البحري TB3 مستقبلاً. وتحدثت تقارير عن أن الإمارات اشترت بالفعل طائرات بيرقدار TB2 وذخائر لها في 2022، ثم تسلمت مسيّرات أكينجي في 2023 و2024، لكن الكميات لم تُعلن رسمياً، ولهذا تُعامل هذه الأرقام والتواريخ بحذر.

الخطوة الأكثر وضوحاً جاءت في 17 يناير 2024، عندما أعلنت «إيدج» وبايكار إتمام دمج القنبلة الموجهة «ديزرت ستينغ 16» (DS-16) على TB2، ونشرتا لقطات اختبار فوق خليج ساروس. وبحسب مواصفات نُشرت لاحقاً، يبلغ وزن هذه الذخيرة نحو 28 كيلوغراماً ومداها نحو 15 كيلومتراً بتوجيه ليزري شبه نشط. وللتعرف على هذه المنصة يمكن الرجوع إلى مقارنتنا بين أكينجي وTB2.

في أكتوبر 2024، خلال معرض ساها في إسطنبول، وقّع الطرفان اتفاقاً أوسع لدمج ذخائر «إيدج» الموجهة على منصات بايكار غير المأهولة. تتولى بايكار قيادة أعمال الدمج، وتقدم «إيدج» الدعم الفني في التصميم والتصنيع. ونُقل عن المدير التنفيذي لـ«إيدج» حمد المرر أن الدمج على منصات بايكار المجرّبة يتيح الاستجابة سريعاً لطلبات السوق.

أما الطراز TB3 فقد أنهى أولى رحلاته قبل شهر من ذلك المعرض، وهو مصمم للعمل من سطح السفن، ومن هنا اهتمام دولة تملك سواحل طويلة وطموحات بحرية بمعرفة ما يقدمه. ولم يُعلن أي عقد شراء له حتى الآن.

وتعني فكرة «الدمج» عملياً أن تُختبر الذخيرة وتُعتمد برمجياً وميكانيكياً على جسم المسيّرة، ثم تُسلّم للمشغّل كجزء من حزمة. وهذا يمنح الإمارات ذخيرة بتوقيعها الصناعي على منصة تركيا المجرّبة، ويمنح بايكار خياراً أوسع لعملاء يفضلون ذخائر بعينها.

ماذا تغيّر في معرض ساها 2026؟

في 8 مايو 2026 أعلنت «إيدج» اتفاقين جديدين مع بايكار خلال ساها في إسطنبول. الأول لدمج عائلة الذخائر الموجهة «الطارق» (Al Tariq) على مسيّرة أكينجي المقاتلة. والثاني إطار تجاري يتيح لكل شركة تسويق منتجات الأخرى وإدراجها في عروض مشتركة للعملاء. و«الطارق» عدة تحويل تجعل القنابل التقليدية غير الموجهة ذات توجيه دقيق، ويُنقل أن مداها يصل إلى 45 كيلومتراً مع قنابل تزن 120 كيلوغراماً فأكثر.

الجديد هنا ليس الدمج الفني وحده، بل التسويق المتبادل. الطرفان لا يتعاملان كمورّد ومشترٍ، بل كشريكين يبيعان لعملاء ثالثين. وقد سبق أن رأينا نمطاً مشابهاً في مسار بايكار من ورشة تصنيع إلى مصدّر يعتمد على شراكات مع جهات تمتلك سوقاً أو تمويلاً.

هل الشراكة محصورة في المسيّرات؟

لا. في ساها 2024 وقّعت «ملذّ» مذكرة تفاهم مع شركة ERA RF Technologies التركية لمحطات الاتصال بالأقمار الصناعية، ووقّعت «لهب» (LAHAB) التابعة لـ«إيدج» ثلاث اتفاقيات مع مجموعة أسّان لتوريد ذخائر من سلسلة MK وجعل أسّان مورّداً لمكونات بمعايير الناتو. وتعاونت شركة «كاليدوس» الإماراتية مع أسيلسان وهافيلسان في شاشات قمرة القيادة وأنظمة التدريب الأرضية، كما أبرمت «أوريكس لابز» التابعة لـ«إيدج» شراكة مع مجموعة Pavo في الأمن السيبراني. هذه التفاصيل وردت في تغطية «بريكينغ ديفنس». عن أسيلسان نفسها يمكن قراءة ملفها التعريفي.

ما الذي تكسبه كل دولة؟

تحصل تركيا على رأس مال وسوق خليجية وقناة تسويق لمنتجاتها، وعلى شريك يموّل التطوير المشترك. وتحصل الإمارات على نقل خبرة في المسيّرات والذخائر، وعلى دمج أسلحتها المحلية في منصات مجرّبة قتالياً بدل تطوير منصة كاملة من الصفر. ويشير محللون، مثل ألبرت فيدال من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، إلى أن هذا الاتجاه يكتسب زخماً منذ مطلع 2023.

وفي المقابل، تحتفظ أبوظبي بعلاقات وثيقة مع شركاء غربيين، وأعلنت «إيدج» في نوفمبر 2023 اتفاقاً مماثلاً مع جنرال أتوميكس لدمج ذخائر على المسيّرة MQ-9B. أي أن الرهان على أنقرة جزء من تنويع الخيارات وليس تحولاً في الاتجاه. ويقول البناي إن التعاون أحياناً «أكثر منطقية» من التنافس.

كيف تقارن بشراكات تركيا الخليجية الأخرى؟

الصورة الإماراتية تختلف عن الحالة القطرية التي تقوم على قواعد عسكرية وخطوط إنتاج، وعن الحالة السعودية التي بُنيت على صفقة أكينجي. الإمارات تستثمر وتدمج وتبيع مع تركيا، ولا تكتفي بالشراء. ومن اللافت أن البلدين دعما أطرافاً متقابلة في ليبيا قبل سنوات، وهو ملف بقيت آثاره في انتشار المسيّرات التركية في شمال أفريقيا.

ما الذي لم يُعلن بعد؟

الاتفاقيات الإطارية سهلة التوقيع، والمنتجات الجاهزة للتسليم هي المعيار الحقيقي للنجاح.

لم تُنشر أعداد المسيّرات التركية لدى القوات الإماراتية ولا قيمة العقود الفردية، ولم تؤكد الجهات الرسمية أن الاستثمارات المعلنة تحققت بالكامل. كما أن الاتفاقيات الإطارية لا تعني بالضرورة إنتاجاً فعلياً. المؤشر الأوثق هو ما يتحول إلى منتج مدمج واختبار معلن، مثل DS-16 على TB2، ثم ما إذا كان «الطارق» سيظهر على أكينجي في عرض لعميل ثالث. وهذا ما ستكشفه المعارض المقبلة.

ويبقى سؤال التوازن السياسي قائماً. العلاقة التي نشأت من مصالح اقتصادية وصناعية متبادلة أكثر متانة من علاقة قامت على اللقاءات الرسمية وحدها، لكنها لم تُختبر بعد في أزمة إقليمية جديدة. فإذا ظلت المشاريع المشتركة قائمة رغم تباين المواقف في الملفات الساخنة، فسيكون ذلك أقوى دليل على أن الطرفين انتقلا فعلاً من مرحلة المصالحة إلى مرحلة الشراكة الصناعية.

Defense Türkiye Newsroom جميع المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة