كيف بنت تركيا صناعة المسيّرات خلال عشرين عاماً
قبل عقدين تقريباً لم يكن في تركيا ما يمكن تسميته صناعة مسيّرات. كانت هناك ورشة تصنيع دقيق في إسطنبول، ومشروع حكومي بطيء في أنقرة، وطلبات شراء من الخارج تتعثر عند كل منعطف سياسي. اليوم تعلن شركة بايكار وحدها صادرات بقيمة 2.2 مليار دولار في 2025، وتقول إنها وقّعت عقود تصدير مع 37 دولة. بين الصورتين مسار طويل، وليس كله خطاً مستقيماً.
هذا المقال يرتّب ذلك المسار بحسب ما يمكن توثيقه، ويفصل بين ما أعلنته الشركات رسمياً وما نُقل عن مصادر أخرى.
من أين بدأت صناعة المسيّرات التركية فعلاً؟
تأسست «بايكار» عام 1984 على يد أوزدمير بيرقدار، وكان نشاطها الأول تصنيع قطع بالتشغيل الآلي لقطاع السيارات. اسمها اختصار لعبارة «الإخوة بيرقدار». وبحسب بيانات الشركة نفسها، أطلقت برنامجها لتطوير الطائرات المسيّرة عام 2003، ومنذ ذلك التاريخ موّلت مشاريعها من مواردها الذاتية.
جاء التحول على يد الابن سلجوق بيرقدار، الذي عاد إلى تركيا عام 2007 بعد دراسته في جامعتي بنسلفانيا وMIT. وفي العام نفسه دخلت أول مسيّرة محلية الصنع، «بيرقدار ميني»، الخدمة التجريبية لدى الجيش. كانت طائرة صغيرة للاستطلاع قصير المدى، لكنها أعطت الشركة شيئاً أهم من الأداء: زبوناً حقيقياً يعطي ملاحظات ميدانية.
في المسار الحكومي، بدأت «الصناعات الجوية والفضائية التركية» (توساش) العمل على مسيّرة «أنكا» بعقد دخل حيز التنفيذ في 24 ديسمبر 2004. أول طيران لها كان في 30 ديسمبر 2010، ودام نحو 14 دقيقة فقط. ست سنوات بين العقد والإقلاع الأول، وهو رقم يوضح أن التجربة التركية لم تكن سريعة في بدايتها.
هل دفع الحظر الأمريكي تركيا إلى التصنيع المحلي؟
الرواية الشائعة أن رفض واشنطن بيع مسيّرات «ريبر» المسلحة هو ما أطلق المشروع. هذا صحيح جزئياً. تشير مصادر متعددة إلى أن أنقرة طلبت مسيّرات أمريكية مسلحة في العقد الأول من الألفية، وأن الطلب تعثر في الكونغرس حتى عام 2012 تقريباً. لكن برنامج «بايكار» و«توساش» كان قد بدأ قبل ذلك بسنوات، والحظر عجّل بالتمويل الحكومي أكثر مما أنشأ الفكرة.
الخلاصة العملية أن الدولة اشترت لاحقاً ما كانت الصناعة المحلية قد بدأت تبنيه، وليس العكس. وحين طلبت رئاسة الصناعات الدفاعية (SSB) منظومة قتالية تكتيكية، كان لدى بايكار خبرة تراكمت من نموذج «ميني» ومن الطائرات التي تلته.
متى أصبحت «بيرقدار TB2» حدثاً عالمياً؟
دخلت TB2 الخدمة مع القوات التركية في منتصف العقد الماضي، لكن تواريخ طيرانها الأول تتباين بين المصادر المفتوحة، لذلك لا نثبّت يوماً بعينه. ما هو موثق أنها استُخدمت في عمليات ضد مسلحين في العراق وسوريا، ثم برزت دولياً في حرب ناغورنو قره باغ عام 2020 حين استخدمتها أذربيجان ضد دروع ومنظومات دفاع جوي أرمنية.
ثم جاءت أوكرانيا. في البداية حققت الطائرة نتائج لافتة، ثم ظهرت حدودها حين تعززت الدفاعات الجوية الروسية، وتحدثت تقارير صحفية دفاعية عن خسائر متزايدة منتصف 2022. هذه التفاصيل مهمة لأنها دفعت بايكار نحو تطوير فئات أثقل وأكثر قدرة على البقاء، بدلاً من الاكتفاء بسمعة TB2.
تذكر موسوعة ويكيبيديا، نقلاً عن بيانات الشركة، أن عدد الطائرات المصنّعة تجاوز 800 وأن الطاقة الإنتاجية السنوية 250 طائرة، وهي أرقام لم نتحقق منها من مصدر مستقل ولذلك ننسبها ولا نجزم بها. أما ما أعلنته بايكار رسمياً فهو عقود تصدير لـ«TB2» مع 36 دولة و«أكينجي» مع 16 دولة. للتفاصيل السعرية راجع تحليل سعر بيرقدار TB2.
| السنة | الحدث الموثق | الجهة |
|---|---|---|
| 1984 | تأسيس بايكار شركةَ تصنيع دقيق | بايكار |
| 2003 | بدء برنامج تطوير المسيّرات الممول ذاتياً | بايكار |
| 2004 | دخول عقد مسيّرة أنكا حيز التنفيذ | توساش |
| 2007 | تسليم بيرقدار ميني للجيش التركي | بايكار |
| 2010 | أول طيران لأنكا (نحو 14 دقيقة) | توساش |
| 2017 | بدء تسليم أنكا-S بإنتاج تسلسلي | توساش |
| 2024 | استحواذ بايكار على شركة بياجيو للطيران الإيطالية (بحسب المصادر المفتوحة) | بايكار |
| 2025 | صادرات بايكار 2.2 مليار دولار | بايكار |
ماذا غيّرت المقاطعة بعد 2020 في سلسلة التوريد؟
حين ارتفع حضور TB2 في ساحات القتال، ارتفع معه الضغط على مورّدي المكونات الأجنبية. تذكر المصادر المفتوحة أن شركات غربية علّقت توريد بعض الأجزاء لأسباب سياسية بعد 2020، فاتجهت بايكار إلى إيجاد بدائل محلية لما كانت تستورده. وتتحدث تقارير تحليلية عن نسبة توطين تصل إلى 93 في المئة في منتجات الشركة، وهو رقم ننسبه لتلك التقارير ولا نعتبره معلناً من جهة رسمية.
الدرس هنا أن المقاطعة، متى طالت، قد تحوّل المورّد المحلي إلى صاحب سوق. فالمحرك والرادار والحاسوب الطائر وأنظمة الاتصال الفضائي، كلها عناصر دخلت قوائم التوطين تباعاً. وما زالت المحركات بالذات نقطة حساسة في الصناعة التركية عموماً، ولا سيما في الفئات الأثقل.
جانب آخر لا يقل أهمية هو الصورة العامة. في يونيو 2022 أطلق أوكرانيون حملة تبرعات شعبية لشراء مسيّرة بيرقدار لجيشهم، وتشير التقارير إلى أنها جمعت أكثر من 600 مليون هريفنيا خلال ثلاثة أيام. صارت المسيّرة رمزاً شعبياً، وهذا النوع من الحضور لا تشتريه حملات التسويق التقليدية.
ما دور «توساش» و«أنكا» في القصة؟
يميل الحديث الإعلامي إلى اختزال الصناعة في اسم واحد، لكن الصورة أوسع. «أنكا» مسيّرة من فئة أكبر، بمدى تحمّل يصل بحسب المصادر المفتوحة إلى نحو 30 ساعة وحمولة تتجاوز 350 كيلوغراماً. جاء تصميمها لدى مؤسسة حكومية، وهو مسار مختلف عن شركة خاصة تموّل نفسها.
يعمل بها اليوم سلاح الجو والقوات البحرية وجهاز الاستخبارات والدرك التركي، وتشير المصادر المفتوحة إلى عملاء تصدير مثل تونس وكازاخستان وإندونيسيا، مع طلبيات أخرى منسوبة إلى الجزائر وماليزيا. هذه قائمة منقولة من مصدر مفتوح لم نؤكدها بوثائق رسمية، فتُقرأ بوصفها تقديراً. للقصة الكاملة اقرأ كيف تحولت تجربة طيران من 14 دقيقة إلى عائلة أنكا، وللمقارنة بين الفئتين أنكا وبيرقدار TB2 طائرتان من فئتين مختلفتين.
وجود المسارين، الخاص والحكومي، أعطى تركيا ميزة لا تتوفر لكثير من الدول: منافسة داخلية تدفع الطرفين إلى تحسين المنتج، وسوق محلية تشتري من كليهما.
أين تقف شركات أخرى مثل «ستم»؟
شركة «ستم» (STM) ذهبت إلى فئة مختلفة تماماً: الذخائر المتسكعة الصغيرة. مسيّرتها «كارغو» رباعية المراوح، تزن نحو سبعة كيلوغرامات، ودخلت الخدمة عام 2020 بحسب المصادر المفتوحة. وفي مارس 2021 ذكر تقرير لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي أن مسيّرة «كارغو 2» طاردت وهاجمت قوات تابعة للجيش الوطني الليبي عام 2020. رأى التقرير أن ذلك قد يكون أول هجوم بمسيّرات تتصرف بمبادرة ذاتية، لكن الشركة لم تعرض علناً قدرة على اختيار الأهداف بشكل مستقل، وتبقى هذه النقطة محل جدل. تفاصيل المنظومة في كيف وضعت KARGU الذخائر المتسكعة التركية على خريطة التصدير.
أهمية «ستم» أنها تُظهر أن الصناعة لم تعد تدور حول نوع واحد. هناك طائرة قتالية متوسطة الارتفاع، وطائرة أثقل، وذخيرة صغيرة تُحمل في حقيبة.
كيف انتقلت بايكار من مسيّرة مسلحة إلى مقاتلة بلا طيار؟
بعد TB2 جاءت «أكينجي» الأثقل، ثم «كيزيل إلما» ذات المحرك النفاث، وهي مشروع طائرة قتالية غير مأهولة. تفيد تقارير صحفية بأن بايكار وقّعت اتفاق تصدير أول لـ«كيزيل إلما» مع إندونيسيا، تبدأ التسليمات بموجبه عام 2028 بأسطول أولي من 12 طائرة وخيارات لما يصل إلى 48 أخرى. هذا خبر منقول لا وثيقة تعاقد معلنة، ولذلك نسوقه بصيغة المنقول. كما نُسبت إلى الطائرة مزاعم عن اعتراض جوي ناجح في نوفمبر 2025، لم نتحقق منها مستقلاً.
على الصعيد الصناعي، تذكر المصادر أن بايكار استحوذت على شركة بياجيو الإيطالية في ديسمبر 2024 وأسست شركة مشتركة مع ليوناردو في مارس 2025. تعني هذه الخطوات أن الشركة التي بدأت في ورشة تصنيع صارت تتوسع داخل صناعة الطيران الأوروبية.
لماذا تشتري الدول هذه المسيّرات؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع مركّبة. السعر أقل من البدائل الغربية في العادة، والتسليم أسرع، وقيود التصدير السياسية أخف. ثم هناك سجل قتالي حديث يُعرض أمام أي مشترٍ محتمل. لكن الأفضلية لا تدوم: دول أخرى مثل الصين وإيران وإسرائيل تنافس في السوق نفسها، وكثير من المشترين يطلبون اليوم نقل التقنية والتصنيع المحلي، لا مجرد الشراء.
لذلك نرى عقوداً تتضمن خطوط إنتاج وتدريباً مشتركاً بدل الصفقات الجاهزة. هذا هو الاتجاه الذي نتتبعه في تقرير لماذا تتسابق الدول العربية على اقتناء السلاح التركي.
ما الأرقام التي تعلنها بايكار عن حجم أعمالها؟
بحسب بيان الشركة المنشور على موقعها الرسمي، بلغ إجمالي إيراداتها 2.5 مليار دولار في 2025، شكّلت الصادرات منها 88 في المئة. وفي 2024 بلغت الصادرات 1.8 مليار دولار بنسبة 90 في المئة من الإيرادات، وبلغت 1.8 مليار كذلك في 2023. وتقول الشركة إنها حلّت ثانية بين كبار المصدّرين الدفاعيين الأتراك في 2025 بحسب بيانات SSB، مع بقائها الأولى في فئة المسيّرات. هذه بيانات صادرة عن الشركة ولم تراجعها جهة خارجية. لمزيد من خلفية الشركة راجع قصة بايكار من ورشة تصنيع إلى مصدّر للمسيّرات.
رحل المؤسس أوزدمير بيرقدار في أكتوبر 2021، قبل أن يرى الشركة بحجمها الحالي، وتقود العمل اليوم جيلان من العائلة نفسها: هالوك بيرقدار في الإدارة وسلجوق في الشؤون التقنية. وهذا يعني أن القرار يتركز في دائرة صغيرة، وهو سر السرعة ومصدر المخاطرة معاً.
تظل الأسئلة المفتوحة أمام الصناعة التركية ثلاثة: القدرة على الصمود أمام الدفاعات الجوية المتطورة، وتوطين المحركات والمكونات الحساسة، والحفاظ على الحصة السوقية مع تزايد المنافسين. وكل واحد منها يُقاس بما ستعلنه الشركات في السنوات القليلة المقبلة، لا بما قيل في الماضي.