كيف تحولت مقاتلة قآن من نموذج أولي إلى عقدين وزبونين
في أقل من ثلاث سنوات على إقلاعها الأول، صار لمقاتلة «قآن» التركية زبونان رسميان: سلاح الجو التركي نفسه، وإندونيسيا التي وقّعت أول عقد تصدير للطائرة قبل أن تتسلّم القوات التركية أي نسخة إنتاجية. هذا التسلسل غير معتاد في برامج المقاتلات، وهو يفسّر لماذا يتابع المحللون البرنامج عن قرب، ولماذا تبقى أسئلة المحرك والجدول الزمني أهم من أي عرض جوي.
تجمع هذه المادة ما يمكن التحقق منه عن البرنامج: ما هي الطائرة، ومن يبنيها، وما الذي وُقّع فعلاً، وأين تقع نقاط الضعف المعلنة.
ما هي مقاتلة قآن ومن يصنعها؟
«قآن» (KAAN) مقاتلة متعددة المهام من الجيل الخامس تطوّرها شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية «توساش» (TUSAŞ) في إطار برنامج الطائرة المقاتلة الوطنية، الذي عُرف سابقاً باسم TF-X. وهي طائرة ذات مقعد واحد ومحركين، صُممت لتحمل أسلحتها داخل حجرات داخلية بهدف تقليص البصمة الرادارية، مع إمكانية إضافة محطات حمل خارجية عند الحاجة.
ويمثل البرنامج محاولة لإنهاء اعتماد تركيا على المقاتلات المستوردة. فبعد استبعاد أنقرة من برنامج «إف-35» عام 2019 على خلفية صفقة منظومة «إس-400» الروسية، تحوّل المشروع المحلي من خيار طويل الأمد إلى أولوية في سياسة التسلح. وتفصّل هذه الخلفية الصناعية مادة الملف الكامل عن برنامج KAAN وحالة الطلبيات والجدول الزمني للمحرك.
| البند | المعلومة |
|---|---|
| الجهة المطوِّرة | شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TUSAŞ) |
| الفئة | مقاتلة متعددة المهام من الجيل الخامس، مقعد واحد ومحركان |
| الإقلاع الأول | 21 فبراير 2024، ونحو 13 دقيقة في الجو |
| الطول وباع الجناحين | نحو 20.3 م و13.4 م (وفق مصادر مفتوحة، دون بيان رسمي مفصّل) |
| أقصى وزن إقلاع | نحو 34.75 طناً (وفق مصادر مفتوحة) |
| السرعة القصوى | نحو ماخ 1.8 (وفق مصادر مفتوحة) |
| المحرك الحالي | جنرال إلكتريك F110 |
| المحرك المحلي المخطط | TF35000 من «توساش للمحركات» (TEI)، بدفع يقارب 35 ألف رطل |
| العملاء المتعاقدون | سلاح الجو التركي، وإندونيسيا |
الأرقام المتعلقة بالأبعاد والوزن والسرعة تُنقل عن مصادر مفتوحة وليست مواصفات مؤكدة من الشركة، ولذلك يُحسن التعامل معها بوصفها تقديرات إلى أن تُنشر بيانات رسمية.
وفي التصميم الأساسي، تسعى الطائرة إلى الجمع بين خفاء الشكل والقدرة على حمل ذخائر محلية الصنع، حتى لا يتوقف تسليحها على موردين أجانب. هذه النقطة بالذات هي ما يميز البرنامج عن شراء طائرة جاهزة: القرار لا يتعلق بالتفوق الجوي وحده، بل بامتلاك حق تعديل الطائرة وتسليحها وتصديرها دون انتظار موافقة طرف ثالث.
كيف مرّ البرنامج من النموذج الأول إلى الإقلاع؟
ظهر النموذج الأول في مارس 2023 خلال اختبارات الحركة الأرضية وتشغيل المحركات، ثم أقلع في 21 فبراير 2024. كانت الرحلة قصيرة، لكنها نقلت الطائرة من مرحلة العروض والمجسمات إلى مرحلة الاختبار الفعلي. وجاءت الرحلة الثانية في مايو 2024، وفق ما يُذكر في المصادر المفتوحة.
وخُطط لثلاثة نماذج أولية للاختبار. وتشير المصادر المتاحة إلى أن النموذجين الثاني والثالث ما زالا في مراحل الاختبار الأرضي والتحضير للطيران، وهي معلومة يجب قراءتها بحذر لأن جداول الاختبار تتغير، ولا تصدر «توساش» تحديثات دورية مفصلة عنها.
وفي المقابل، لم يتوقف الجانب الصناعي. فقد افتُتحت منشأة «قآن» التقنية، وأُعلن عن إضافة قدرات رقمية جديدة في هذه المنشأة، وهي جزء من تجهيز خط الإنتاج قبل التسليم الأول.
ماذا وقّعت إندونيسيا بالضبط؟
في 11 يونيو 2025، وعلى هامش معرض «إندو ديفنس» في جاكرتا، وقّعت إندونيسيا اتفاقاً لشراء 48 مقاتلة «قآن». وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الصفقة، وحضر التوقيع من الجانب الإندونيسي وزير الدفاع شفري شمس الدين، بحسب تقارير «ديفنس نيوز».
وتتفق التقارير على العناصر التالية:
- عدد الطائرات 48، تُسلَّم خلال 120 شهراً، أي عشر سنوات.
- القيمة التقديرية تتجاوز 10 مليارات دولار، وهو رقم تنقله الصحافة الدفاعية ولا تؤكده الشركة بتفصيل.
- الاتفاق يتضمن مكوّنات نقل تقنية في مجال الطيران، مع الاستفادة من البنية الصناعية والقدرات الإنتاجية في إندونيسيا.
- الطائرات الموجهة لإندونيسيا يُفترض أن تعمل بمحرك TF35000 المحلي.
ولم تكن هذه نقطة البداية. فقد سبقتها زيارة الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو إلى تركيا في أبريل 2025، التي أعلن خلالها اهتمام بلاده بالمشاركة في برنامج «قآن» وفي برنامج الغواصة «ميلدن»، وفق «جينز». ثم جاءت الخطوة الثانية خلال معرض «آيدف 2025» في إسطنبول في يوليو من العام نفسه، حيث أفادت صحيفة «حرييت ديلي نيوز» بتوقيع «توساش» اتفاقاً مع شركتي «بي تي ريبوبليك آيرو ديرغانتارا» و«بي تي ديرغانتارا إندونيسيا»، تضمّن مذكرة تفاهم تغطي الإنتاج والهندسة وتبادل التقنية. ويوحي هذا التسلسل بأن الصفقة تقدمت على مرحلتين: إعلان سياسي في جاكرتا ثم ترتيبات صناعية مع الشركات الإندونيسية.
ويلفت الانتباه أن العقد وُقّع لطائرة لم تدخل الخدمة بعد. هذا يعني أن إندونيسيا تراهن على مسار البرنامج، لا على سجل تشغيلي، وأن جزءاً من قيمة الصفقة يرتبط بالشراكة الصناعية وليس بالطائرة وحدها. ويسهل فهم هذا الخيار حين يُقرأ ضمن نمط أوسع من الصفقات الدفاعية التركية، وهو ما تناوله ملف لماذا تشتري الدول العربية السلاح التركي.
ما الذي تحمله الطائرة من أجهزة وأسلحة؟
تقوم فكرة «قآن» على التخفي بالشكل وحجرات الأسلحة الداخلية، مع حزمة حساسات محلية تقودها «أسيلسان». ومن أبرز مكوناتها رادار المسح الإلكتروني النشط «مراد» (MURAD)، الذي أفادت مصادر مفتوحة بأن نسخته المخصصة للطائرة، «مراد 600-A»، انتقلت من مرحلة التصميم الأولي إلى التصميم الحرج. كما تُذكر منظومة حرب إلكترونية محلية ودمج للمعلومات من عدة حساسات.
وتشمل الذخائر المخطط لها صواريخ تركية مثل «غوك دوغان» و«غوكهان» وصاروخ الكروز «سوم»، بحسب المصادر المفتوحة. أما الحمولة الإجمالية وعدد محطات الحمل فتتباين الأرقام المنشورة بشأنها، فنكتفي بالإشارة إلى وجود حجرات داخلية ومحطات خارجية إضافية دون ترجيح رقم محدد.
وتُنقل عن مصادر مفتوحة خطة إنتاج على مراحل: بعد عدد من النماذج الأولية، تأتي دفعة أولية من «بلوك 10» لسلاح الجو، ثم نسخ لاحقة بتحديثات في الإلكترونيات والمحرك وقدرات التشغيل المشترك مع الطائرات المسيّرة. وهذا يعني أن الطائرة التي ستتسلمها القوات في 2028 ليست النسخة النهائية للبرنامج، بل نقطة انطلاق لتطوير متدرج.
ماذا عن الطلبية التركية الأولى؟
أبرمت رئاسة الصناعات الدفاعية و«توساش» في 8 مايو 2026، خلال معرض «ساحة إكسبو»، عقداً لأول دفعة من طائرات «قآن» لسلاح الجو التركي، وفق «بريكينغ ديفنس». وتتألف الدفعة من 20 طائرة من طراز «بلوك 10». ونقلت «ذا ديفنس بوست» أن التسليم مخطط له بين 2028 و2030، وأن الطائرات الأولى ستعمل بمحركين من طراز جنرال إلكتريك F110-GE-129.
ولم تُنشر قيمة هذا العقد في المصادر التي رجعنا إليها، ولذلك لا نوردها. وسبق هذه الخطوة انتقال البرنامج رسمياً إلى مرحلة التوريد، وهو ما رصدناه في تقرير دخول المقاتلة مرحلة التوريد.
وتشير التقارير نفسها إلى أن السعودية في مراحل متقدمة من مفاوضات محتملة بشأن الطائرة، لكن ذلك يبقى في خانة المفاوضات المنقولة عن مصادر، ولم يُعلن عن أي اتفاق.
لماذا يُعدّ المحرك أكبر عقدة في الجدول؟
تبدأ «قآن» حياتها بمحركات أمريكية الصنع من طراز F110. وهذا يعني أن تصدير الطائرة أو توريدها بهذه المحركات يبقى مرتبطاً بتراخيص أمريكية، وبقرارات تصدير لا تملكها أنقرة. ولذلك تضع تركيا المحرك المحلي TF35000 في صلب خطتها، وتشير المصادر إلى أن «توساش» تخطط لإنجاز تطويره بحلول عام 2032، مع بدء إنتاج النماذج الأولية للمحرك في 2027 بحسب تقرير «بريكينغ ديفنس».
هذا الجدول يتأخر عن موعد تسليم الدفعة التركية الأولى بسنوات، ما يعني أن الطائرات الأولى ستطير بمحرك أجنبي وتُحدَّث لاحقاً، وأن الطائرات الموجهة للتصدير تتأثر بتوقيت نضج المحرك المحلي. وقد عالجنا تفاصيل التأجيل وأسبابه في ملف البرنامج المشار إليه أعلاه.
وللمحرك بعد آخر يتصل بالتصدير. فحتى تُسلَّم طائرة إلى إندونيسيا بمحرك تركي بالكامل، يجب أن يصل TF35000 إلى مرحلة الاعتماد والإنتاج التسلسلي، وهي مرحلة لم تبدأ بعد. وبقدر ما تتأخر، يزداد الضغط على جدول التسليم الذي يمتد عشر سنوات، لأن الدفعات الأولى المخصصة للتصدير ستحتاج إما إلى الانتظار وإما إلى حلول مرحلية لم تُعلن تفاصيلها.
ما موقع «قآن» داخل منظومة الطيران التركية؟
لا تطير «قآن» وحدها في الخطط التركية. فهناك مسار موازٍ للطائرات المقاتلة غير المأهولة، وأبرزها مشروع بيرقدار كيزيل إلما، أول مقاتلة تركية بدون طيار. وتقول التقارير إن العمل على مفهوم التشغيل المشترك بين الطائرة المأهولة والمسيّرة يجري، لكن اختباره على «قآن» لم يبدأ بعد، بحسب «بريكينغ ديفنس».
أما على مستوى الشركة، فتقف «توساش» وراء الطائرة بوصفها المقاول الرئيسي، وتتشارك مع «أسيلسان» وجهات أخرى في الأنظمة الفرعية. وقد وردت قراءة أوسع لدور الشركة في ملف توساش الذي يتناول إنتاج قآن وعلاقتها بإيرباص، كما تعرض خريطة شركات الدفاع التركية من يصنع ماذا في المنظومة الأوسع.
كيف تقرأ العواصم الأخرى هذه الصفقات؟
تحمل صفقة إندونيسيا دلالة تتجاوز عدد الطائرات. فهي تضع «قآن» أمام دولة مصنِّعة للطيران العسكري نسبياً عبر شركة «ديرغانتارا إندونيسيا»، ما يجعل التعاون الصناعي جزءاً من المعادلة. ولهذا تراقب الدول التي تبحث عن مقاتلة حديثة بشروط تقنية أقل تقييداً كيف ستتعامل تركيا مع نقل التقنية ومع قيود المحرك.
وفي المنطقة العربية، يتكرر الحديث عن اهتمام محتمل. غير أن ما نُشر عن السعودية يظل تقارير عن مفاوضات، ولا يوجد إعلان رسمي. والأفضل فصل ما وُقّع عن ما يُتداول، لأن أسواق السلاح تتحرك أحياناً على الشائعات أكثر مما تتحرك على العقود.
ومن الناحية المالية، يصعب الحكم على جدوى الصفقات الكبرى قبل نشر شروط الدفع والتسليم، وهي لم تُنشر. وهذه المادة معلوماتية ولا تتضمن أي توصية استثمارية.
ما الذي يحدد نجاح البرنامج من الآن؟
النقاط التي ستحسم مسار «قآن» واضحة نسبياً، وليست كلها تقنية:
- الالتزام بموعد 2028. تسليم أول دفعة من 20 طائرة في الموعد المعلن سيكون أول اختبار فعلي لخط الإنتاج.
- نضج المحرك المحلي. أي تأخير في TF35000 ينعكس على الطائرات التصديرية وعلى استقلالية القرار.
- تنفيذ التوطين في إندونيسيا. نقل التقنية جزء من العقد، وتفاصيل التنفيذ لم تُنشر بعد.
- موقف العملاء الإضافيين. أي اتفاق جديد، ومنه ما يُتداول عن السعودية، سيغيّر حجم خط الإنتاج وتكلفة الطائرة الواحدة.
ما هو مؤكد اليوم أن الطائرة طارت، وأن عقدين وُقّعا، وأن المحرك المحلي هو المتغير الأكبر. وما عدا ذلك، من أرقام الأداء إلى تكلفة الطائرة، يظل بحاجة إلى بيانات رسمية تتجاوز التقديرات المنشورة.